من الصورة إلى الذاكرة… «حكاية» مشروع ثقافي عُماني برؤية بصرية معاصرة

علي بن سالم الفارسي
في زمنٍ تتسارع فيه الصورة، وتتزايد فيه وسائل التعبير البصري حضورًا، يبرز فريق «حكاية» بوصفه مشروعًا ثقافيًا عُمانيًا يسعى إلى توثيق الثقافة العُمانية بمختلف تجلياتها، وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة بلغة بصرية معاصرة، تجمع بين الأصالة وروح الحاضر.
لم تعد الثقافة اليوم محصورة في الكتب أو الموروث القديم فحسب، بل أصبحت مساحة حيّة تتشكّل في التفاصيل اليومية، وفي الحكايات، والمكان، والإنسان، وهو ما يحاول فريق «حكاية» التقاطه وتقديمه في قالب بصري يوثّق الذاكرة ويقارب الواقع.
من فكرة إلى فريق ثقافي
انطلقت «حكاية» عام 2021 كحساب شخصي يهتم بالثقافة العُمانية بمختلف أشكالها، قبل أن تتطور في عام 2026 إلى فريق ثقافي تطوعي يضم 23 عضوًا من الكتّاب والمصورين والمصممين.
ولم يكن هذا التحول مجرد توسّع تنظيمي، بل انتقالًا من فكرة فردية إلى مشروع جماعي يعمل على إنتاج محتوى ثقافي بصري يعبّر عن الإنسان العُماني في ماضيه وحاضره، ويقدّم الثقافة بوصفها حالة حيّة لا إطارًا جامدًا.
صوت من الماضي… وبداية الحكاية
كانت سلسلة «صوت من الماضي» من أولى تجارب الفريق، حيث استضافت العم ناصر بن سعيد الأشخري من ولاية صحار، ليشارك جانبًا من ذاكرته عن الحياة الاجتماعية القديمة، وما ارتبط بفلج العوهي من تفاصيل إنسانية واجتماعية.
ويقول العم ناصر:
«الفلج كان يجمعنا، والمسجد كان يعرفنا.»
جملة تختصر نمط حياة كامل، كانت فيه العلاقات أكثر بساطة، والذاكرة أكثر قربًا من الأرض والناس.
وقد لاقت السلسلة تفاعلًا واسعًا، وأُعيد نشر أحد مقاطعها من قبل أحد أعضاء مجلس الشورى، في إشارة إلى أهمية المحتوى الثقافي حين يُقدَّم بلغة قريبة من الجمهور.
متحف يحكي… قراءة بصرية للثقافة
وفي امتداد لتجربته، أطلق الفريق سلسلة «متحف يحكي»، التي قدّمت جولة بصرية في متحف أبناء مجان بولاية صحار، من خلال قراءة للمقتنيات والقصص المرتبطة بها.
ولم تكن السلسلة مجرد توثيق للمكان، بل محاولة لفهم العلاقة بين الإنسان وموروثه الثقافي، وإعادة تقديم المتحف بوصفه مساحة حيّة تُروى فيها الحكايات، لا مجرد صمت خلف الزجاج.
رؤية تمتد إلى المستقبل
يسعى فريق «حكاية» خلال المرحلة المقبلة إلى توسيع حضوره الثقافي عبر:
• إطلاق منصة إلكترونية متخصصة تُعنى بالمحتوى الثقافي والتوثيقي، لتكون مرجعًا بصريًا منظمًا يجمع إنتاج الفريق في مساحة واحدة.
• العمل على أن تكون المنصة الثقافية الأولى في توثيق وإنتاج المحتوى البصري العُماني، عبر سلاسل تتناول المفردات الثقافية، والحكايات، والظواهر الثقافية المعاصرة، بما يعكس الثقافة بوصفها مشهدًا حيًا متجددًا.
ويأتي هذا التوجّه منسجمًا مع التحولات الثقافية الحديثة، ومع رؤية عُمان 2040 في تعزيز الهوية الوطنية وبناء اقتصاد إبداعي قائم على المعرفة.
رسالة «حكاية»
في «حكاية»، لا تُفهم الثقافة بوصفها ذاكرة ماضٍ فقط، بل حضورًا مستمرًا يتجدّد مع كل جيل.
فنحن لا نوثّق ما كان فحسب، بل نقرأ ما هو كائن، ونحاول أن نمنحه شكله البصري الذي يبقى في الذاكرة.
فالثقافة ليست شيئًا نرويه فقط، بل شيء نعيشه، ونعيد روايته بصورة مختلفة في كل مرة.



