مقالات صحفية

مضيق هرمز .. هل لنّا منه حشفا وسوء كيلة؟

 

   أحمد البحري

مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي تمر عبره ناقلات النفط والغاز والسفن التجارية؛ إنه أحد أكثر الشرايين البحرية حساسية في العالم؛ بسبب نقل ثلث إمدادات العالم من النفط عبره، وعلى ضفتيه تتحمل الدول المشاطئة، وفي مقدمتها سلطنة عُمان بحكم موقعها، مسؤوليات يومية تتعلق بسلامة الملاحة، وحماية البيئة البحرية، والاستجابة للحوادث والطوارئ.

النقاش اليوم يدور حول: هل ستفرض عُمان رسمًا على المرور؟ عُمان لم ولن تطرح مثّل هذا السؤال؛ فذلك غير جائز قانونًا ولا يخدم صورة السلطنة التي تحترم القوانين الدولية، ولكن في الجانب الآخر يُطرح سؤالا بديلا وهو: هل يمكن لعُمان أن تستوفي مقابلًا عادلًا عن خدمات بحرية فعلية تقدمها للسفن، في إطار شفاف وغير تمييزي ومتوافق مع القانون الدولي؟ هناك فرق جوهري بين الفرق رسم المرور ورسم الخدمة، فالأول يعني تحصيل مبلغ لمجرد عبور السفينة، وهذا تصطدم به قواعد القانون الدولي، أما الثاني فيرتبط بخدمة محددة، مثل: مراقبة ملاحية، اتصال، بحث وإنقاذ، استجابة للتلوث، أو دعم للسلامة البحرية، وتنص المادة 26 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 على عدم جواز فرض رسم على السفن الأجنبية لمجرد مرورها في البحر الإقليمي، مع جواز الرسوم مقابل خدمات معينة بشرط عدم التمييز.

إذن على عُمان ألا تقوم ببيع حق المرور أو نصب «بوابة مالية» أمام السفن، بل على تصميم نظام خدمات بحرية يستند إلى القانون الدولي، واختصاص الدولة الساحلية في السلامة وحماية البيئة، والتشريعات العُمانية المنظمة للقطاع البحري ومكافحة التلوث؛ بهذا المعنى، لا تتعارض الفكرة مع حرية الملاحة أو المرور العابر في المضائق الدولية، ما دامت الرسوم مرتبطة بخدمة فعلية، ومتناسبة مع تكلفتها، ومطبقة دون تمييز بين السفن.

السفن العابرة في المضيق لا تستفيد من الجغرافيا وحدها؛ بل من منظومة تشغيلية مكلفة تشمل المساعدات الملاحية، والاتصالات، والمراقبة، وإدارة الحركة البحرية، والبحث والإنقاذ، والاستجابة للطوارئ، ومكافحة التلوث، وهذه المنظومة لا تعمل بالشعارات، بل تحتاج إلى مراكز ومعدات وكوادر وتمويل مستمر، ففي الجانب العُماني، يوفر قانون مراقبة التلويث البحري الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 34/74 أساسًا واضحًا لمنع التلوث والحد من آثاره في المياه المجاورة للسلطنة، بينما يعزز القانون البحري الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 19/2023 اختصاصات السلطة البحرية في تنظيم الملاحة والتحقيق في الحوادث ووضع رسوم الخدمات البحرية والمينائية وفق القواعد المنظمة.

أما المستوى الدولي، تشكل اتفاقية MARPOL الإطار الرئيس لمنع التلوث من السفن، فيما توفر اتفاقية الكويت الإقليمية وإطار منظمة ROPME أساسًا للتعاون الإقليمي في حماية البيئة البحرية، وهذا كله يجعل حماية المضيق مسؤولية قانونية وبيئية، لا مجرد خدمة تشغيلية، فالمخاطر ليست نظرية، ففي حادثة الناقلة Caroline Bezengi قبالة جزر الحلانيات، أفادت تقارير بأن بقعة النفط امتدت إلى نحو 390 كيلومترًا مربعًا قرب منطقة بحرية محمية، وأن السلطات العُمانية استخدمت الرصد الجوي والأقمار الصناعية والمسوح البحرية لمتابعة التسرب وتأمين السفينة وحماية الموائل الحساسة، كما أشارت تقارير لاحقة إلى تأثر بعض شواطئ رأس مدركة واحتمال امتداد الأثر إلى أجزاء من مصيرة، ما يوضح أن كلفة الحادث لا تظل في البحر، بل تنتقل سريعًا إلى السواحل والبيئة المحلية، أما في مسندم، أظهرت تقارير عن تسربات نفطية مرتبطة بسفن عالقة قرب مضيق هرمز أن الضرر أصاب الصيد والشواطئ والسياحة المحلية في مناطق مثل خصب وبخاء؛ إذ شكا صيادون من نفوق الأسماك وتلوث الشباك وتعطل محركات القوارب، بينما ألغى مشغلو سياحة حجوزات تخييم شاطئية بسبب تلوث الرمال والمياه، وتؤكد دراسة منشورة عن التسربات النفطية الصغيرة غير المنسوبة في مسندم أن المشكلة متكررة ومعقدة، وأن صعوبة تتبع مصدر التلوث وضعف آليات التعويض يتركان المجتمعات الساحلية أمام أضرار بيئية واقتصادية لا يقابلها دائمًا تعويض عادل.

فعلى الجهات المختصة في السلطنة أن تدرس نظامًا يحدد رسوم الخدمات البحرية والسلامة وحماية البيئة في المياه العُمانية، يقوم على مبدأين بسيطين: لا رسم لمجرد المرور، ولا رسم بلا خدمة محددة أو منفعة تشغيلية قابلة للتبرير، ولا ينبغي أن يكون الرسم رقمًا موحدًا أو عشوائيًا، بل يمكن ربطه بنوع الخدمة، وحجم السفينة، وطبيعة المخاطر، وحجم الاستفادة من منظومة السلامة البحرية، كما يمكن أن تخضع السفن عالية المخاطر، مثل ناقلات النفط والغاز والمواد الكيميائية، لمعايير خاصة تعكس كلفة الاستجابة المحتملة للحوادث، بشرط أن تستند إلى أسس فنية وقانونية واضحة وخاصة وقت الأزمات التي تخرج عن السيطرة، فيمكن مع سياسية الحياد الدبلوماسي التي تأصلت في تعامل عُمان مع الجميع أن تستفيد من أهميتها المرتبطة بالموقع وتتحول إلى مركز إقليمي للخدمات البحرية المتخصصة: الإنقاذ، ومكافحة التلوث، والمراقبة، والصيانة، والخدمات اللوجستية، والتدريب البحري، فإن نجاح الفكرة مشروط بضمانات لا غنى عنها: التناسب بين الرسم والخدمة، الشفافية في الحساب، عدم التمييز بين السفن، سرعة الإجراءات، وتخصيص جزء واضح من العائد لتعزيز السلامة وحماية البيئة.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بفرض «ضريبة على مضيق هرمز»، بل بطرح سؤال أكثر عدالة: من يتحمل كلفة السلامة البحرية وحماية البيئة في أحد أهم الممرات المائية في العالم؟ فالسفن تستفيد من المراقبة والملاحة والاتصال والاستجابة للطوارئ، بينما تتحمل الدولة الساحلية جانبًا كبيرًا من الكلفة والمخاطر، ومن حق سلطنة عُمان أن تبحث، بمنطق قانوني، عن صيغة تجعل هذه الكلفة أكثر عدالة، وإذا صُمم هذا النظام بعناية، فلن يكون عائده ماليًا فقط؛ بل يمكن أن يفتح الباب أمام قطاع بحري عُماني أكثر كفاءة، ومكانة أقوى لسلطنة عُمان، واقتصاد أزرق أكثر حضورًا، وسواحل أكثر حماية.

فمضيق هرمز ليس مجرد جغرافيا تمر فوقها التجارة العالمية؛ إنه أصل استراتيجي يمكن لعُمان، بالقانون والإدارة الرشيدة، أن تحوله إلى قيمة اقتصادية وبيئية مستدامة.

مراجع:

1. اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، ولا سيما المادة 26 وأحكام المضائق المستخدمة للملاحة الدولية.

2. القانون البحري العُماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 19/2023.

3. قانون مراقبة التلويث البحري الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 34/74.

4. اتفاقية MARPOL لمنع التلوث من السفن، الصادرة في إطار المنظمة البحرية الدولية.

5. اتفاقية الكويت الإقليمية للتعاون في حماية البيئة البحرية من التلوث، وإطار منظمة ROPME.

6. تقارير وكالة رويترز والجزيرة وجلف نيوز ومسكَت ديلي عن حادثة الناقلة Caroline Bezengi وتسرب النفط قبالة جزر الحلانيات ورأس مدركة.

7. تقرير Arabian Gulf Business Insight عن تسربات النفط في مسندم وتأثيرها على الصيد والسياحة المحلية.

8. دراسة: An Unresolved Environmental Problem—Small-Scale Unattributable Marine Oil Spills in Musandam, Oman، منشورة ضمن Sustainability ومتاحة عبر موقع هيئة البيئة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights