قصص وروايات

رواية: قبل أن تنتهي الدقيقة الأخيرة الفصل الثالث عشر – العالم يتلاشى

ميمونة بنت علي الكلبانية

بدأت الساعة تتحرك.

ليس إلى الأمام…

بل إلى الخلف.

١١:١٠..

١١:٠٩..

١١:٠٨..

رفعت رهف رأسها بسرعة.

كان كل شيء حولها قد بدأ يتشقق.

جدران المستشفى اهتزت، وأضواء الممر خفتت، وكأن المكان يُسحب ببطء إلى فراغ لا نهاية له.

صرخت:

— ما الذي يحدث؟!

أجاب الشاب، وعيناه لا تفارقان الساعة:

— الوقت ينفد.

حدقت فيه رهف، ثم قالت:

— لكن الساعة تعود إلى الخلف!

قال بصوت هادئ، على الرغم من الفوضى التي كانت تبتلع المكان:

— لأن العالم الذي تعيشين فيه ينهار.

شعرت رهف بالأرض تميد تحت قدميها.

التفتت نحو غرفة العناية.

كانت أمها لا تزال تمسك يد جسدها الراقد، لكنها أصبحت باهتة… كأنها صورة قديمة تتلاشى أطرافها شيئًا فشيئًا.

أما صوت جهاز نبضات القلب، فأخذ يضعف تدريجيًا.

بيب…

بيب…

بيب…

ركضت رهف نحو أمها.

صرخت بكل ما بقي فيها:

— أمي! أنا هنا!

لم ترفع أمها رأسها.

لكن…

سقطت دمعة من عينها دون سبب.

توقفت رهف في مكانها.

حدقت في وجه أمها، ثم همست:

— هل… شعرتِ بي؟

ابتسم الشاب ابتسامة حزينة، وقال:

— القلوب أحيانًا تتذكر… حتى عندما تعجز العقول عن التذكر.

وفي لحظة واحدة…

اختفى المستشفى.

وجدت رهف نفسها واقفة وسط القرية الصامتة.

لكنها لم تكن كما عرفتها.

المباني تتفتت كالرمال.

الشوارع تتشقق.

الأشجار تذبل في ثوانٍ.

والسماء امتلأت بشقوق سوداء، كأنها زجاج هائل على وشك الانكسار.

ثم سمعت الأصوات…

مئات الأصوات.

أناس يهمسون باسمها.

— رهف…

— ساعدينا…

— لا تتركينا…

استدارت بجنون.

لم يكن هناك أحد.

قال الشاب:

— هذه الأرواح العالقة.

التفتت إليه بخوف:

— لماذا تناديني؟

أجاب:

— لأنك الوحيدة التي استطاعت الوصول إلى هذا العالم، وأنتِ لا تزالين مرتبطة بالحياة.

سكت قليلًا.

ثم أضاف:

— لكن إذا بقيتِ هنا أكثر…

نظر إليها مباشرة.

— ستصبحين مثلهم.

شعرت رهف بالخوف لأول مرة.

لم يكن خوف الموت…

بل خوف النسيان.

أخرج الشاب ساعة جيب قديمة.

كانت عقاربها تتحرك بعكس الزمن.

فتح غطاءها ببطء.

وفي داخلها…

صورة صغيرة.

شهقت رهف.

كانت الصورة لها.

لكنها لم تكن وحدها.

كان يقف بجانبها الشاب نفسه…

وهما يبتسمان.

ارتجفت يدها.

— متى التُقطت هذه الصورة؟

أغلق الشاب الساعة بسرعة.

وقال بصوت منخفض:

— في حياةٍ لا تتذكرينها.

تجمدت رهف في مكانها.

— ماذا تقصد؟

نظر إليها طويلًا.

ثم قال:

— هذه ليست المرة الأولى التي نحاول فيها إيقاف الدقيقة الأخيرة.

ساد الصمت.

حتى الريح توقفت.

همست رهف:

— نحاول؟

أومأ برأسه.

— لقد التقينا من قبل.

اتسعت عيناها.

— مستحيل…

خفض عينيه، وقال:

— وأحببتِ الحقيقة أكثر من مرة…

ثم صمت لحظة، وكأنه يبحث عن الكلمات.

— لكن في كل مرة… كانت النهاية تسبقك.

شعرت رهف بأن ذكريات غريبة بدأت تلمع في ذهنها.

يد تمسك يدها.

مطر.

ضحكة.

وعد.

ثم…

حادث.

اختفت الصور قبل أن تكتمل.

وضعت رهف يديها على رأسها.

— ماذا يحدث لي؟!

وفجأة…

شقّ السماء صوتٌ هائل، كأنه صرخة العالم كله.

ارتجّت القرية.

وتشقق الأفق.

ظهر صدع أسود يمتد من طرف السماء إلى طرفها الآخر.

ومن داخله…

خرج ظلٌّ طويل، بلا ملامح.

كان يتحرك ببطء.

خطوة…

ثم خطوة…

لكن رهف شعرت بشيء واحد فور رؤيته…

أنه يعرفها.

توقف الظل أمامها.

ساد صمت ثقيل.

ثم قال بصوتٍ بارد، ارتجفت له القرية بأكملها:

— وجدتك أخيرًا…

تراجعت رهف خطوة.

كانت تحدق في الظل، وقلبها يخفق بعنف.

وفي تلك اللحظة أدركت الحقيقة المرعبة…

ما كان يطاردها منذ البداية…

لم يكن الزمن.

ولم تكن الأرواح.

بل شيءٌ أقدم من الزمن نفسه…

شيءٌ يعرفها منذ حياةٍ لا تتذكرها.

والآن…

عاد ليطالبها بما لم تستطع تذكره.

يتبع…الفصل الرابع عشر — دقيقة واحدة فقط

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights