ليس كل ارتفاعٍ رِفعة
يوسف بن سالم بن علي الحميدي
ليس كل من ارتفع في أعين الناس قد ارتفع في الحقيقة، فبعض الارتفاعات ليست إلا سقوطًا مؤجلًا، وبعض القمم التي يظن الإنسان أنه بلغها ليست سوى عزلة صنعها بيده ثم وقف فوقها وحيدًا، يظن أن الآخرين هم الذين ابتعدوا عنه .. هناك فرق بين أن تعرف قدرك، وبين أن تجعل من معرفتك بقدرك ذريعة لاحتقار الآخرين.
فرق بين عزة النفس، وبين ذلك الغرور الذي يجعل الإنسان أسيرًا لصورة متخيلة عن نفسه، يخشى أن تتصدع إذا اعترف بخطئه، أو اعتذر، أو قال ببساطة: كنتُ مخطئًا.
الكبرياء في بدايته قد يبدو قوة، لكنه حين يتجاوز حده يتحول إلى خوف عميق من الانكشاف، خوف من أن يكتشف الآخرون أننا لسنا كما ندّعي، وأن خلف ملامح الثبات قلبًا يحتاج، وروحًا تشتاق، وإنسانًا يتألم.
ولهذا يتعلم بعضنا أن يخفي احتياجه بالصمت، واشتياقه باللامبالاة، وندمه بالتجاهل، وحبه بالتعالي.
ثم يمضي بعيدًا، لا لأنه لا يريد العودة، بل لأنه أقنع نفسه أن العودة ستجعله أصغر في عيون من تركهم .. وما أغرب الإنسان حين يحول الاعتذار إلى هزيمة، والحنين إلى ضعف، والتواضع إلى انكسار.
أليس الاعتذار شجاعة حين يكون الإنسان قادرًا على الاعتراف بأنه أخطأ؟
أليست كلمة “سامحني” أحيانًا أكثر قوة من ألف موقف متعالٍ؟
أليس التواضع هو أعلى درجات الوعي بالنفس؟ لأنك حين تعرف حقيقتك لا تحتاج إلى إثبات عظمتك لأحد.
إن الإنسان لا يصبح عظيمًا حين يجعل الآخرين يشعرون بصغرهم، بل حين يجعلهم يشعرون بقيمتهم .. وقد يأتي يوم تكتشف فيه أن الذين تجاوزتهم بكبريائك كانوا أثمن مما ظننت، وأن الأبواب التي أغلقتها متعمدًا كان خلفها شيء لن يتكرر، وأن بعض الأشخاص لا تعوضهم الأيام؛ لأن الحياة لا تعيد النسخ نفسها مرتين.
وحينها ستدرك أن أصعب أنواع الندم ليس أن تفقد شخصًا، بل أن تعرف أنك كنت تستطيع الاحتفاظ به، وأن كبرياءك هو الذي اختار الفراق نيابة عن قلبك.
نحن نعيش عمرًا قصيرًا جدًا لنضيعه في معارك صامتة حول من يبدأ، ومن يعتذر، ومن يتنازل أولًا .. ففي النهاية، ما قيمة أن تنتصر في موقف إذا خرجت منه بقلب خاسر؟
وما قيمة أن تثبت أنك الأقوى إذا انتهى بك الأمر وحيدًا؟
وما قيمة أن يهابك الناس إذا لم يجدوا فيك إنسانًا يستطيعون أن يطمئنوا إليه؟
الحياة لا تحفظ أسماء المتعالين طويلًا، لكنها تحفظ أثر المتواضعين.
فالمال يزول، والمنصب ينتهي، والجمال يتغير، والقوة تضعف، وحتى الوجوه التي ظننا أنها ستبقى معنا إلى الأبد يطويها الزمن ذات يوم، لكن يبقى الأثر .. تبقى الطريقة التي عاملت بها إنسانًا كان ضعيفًا أمامك .. تبقى يدك التي امتدت في وقت الحاجة .. تبقى كلمة قلتها في لحظة انكسار فأنقذت قلبًا من السقوط.
وهنا تكمن المفارقة:
قد يرفعك الكبرياء فوق الناس، لكنه قد يخفضك في قلوبهم، وقد يجعلك التواضع أقل ارتفاعًا في عين نفسك، لكنه يرفعك في أعين من حولك .. لذلك لا تبحث دائمًا عن المكان الأعلى، بل ابحث عن المكان الأصدق، ولا تجعل عزة نفسك جدارًا يمنعك من الوصول إلى من تحب.. فليس كل ارتفاع رفعة.
قد تصعد كثيرًا حتى لا ترى أحدًا حولك، ثم تكتشف أنك لم تبلغ القمة، بل بلغت أبعد نقطة يمكن أن يصل إليها الإنسان من وحدته.
فالرفعة ليست أن تكون فوق الناس، وإنما أن تكون أكبر من غرورك، وأوسع من جرحك، وأشجع من كبريائك.
وحين تعرف أن الاعتذار لا ينقصك، وأن المبادرة ليست ضعفًا، وأن قولك “أشتاق إليك” لا يسلبك كرامتك، ستدرك أن أعظم انتصار ليس أن تجعل الآخر يأتي إليك منكسرًا، بل أن تنتصر على ذلك الصوت داخلك الذي أقنعك بأن الحب معركة، وأن التواضع هزيمة.
فاختر أن تكون عاليًا في أخلاقك، لا متعاليًا على خلق الله .. لأن الأيام في نهاية المطاف لا تسأل: كم ارتفعت فوق الآخرين؟ بل تسأل: كم قلبًا تركت فيه أثرًا جميلًا حين مررت؟
وحين يُسدل العمر ستاره الأخير لن يهم كثيرًا كم شخصًا خافك، ولا كم شخصًا انحنى أمامك. . سيهم فقط:
كم شخصًا أحبك بصدق؟
وكم قلبًا تمنى لو أن وجودك في حياته لم ينتهِ؟ فليس كل ارتفاع رفعة.
أحيانًا تكون أعظم رفعة في الحياة أن تنزل من برج كبريائك، وتمشي نحو قلب أحبك، قبل أن يتحول الطريق إليه إلى ذكرى لا يمكن الوصول إليها.



