قضايا على طاولة التربية_التربية تبدأ قبل أن يولد الطفل_
علي بن مبارك بن خلفان اليعربي
يعتقد بعض الآباء أن التربية تبدأ عندما ينطق الطفل كلماته الأولى، أو عندما يدخل المدرسة، أو حين يبدأ في ارتكاب الأخطاء التي تستوجب التوجيه والتقويم. غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير؛ فالتربية تبدأ قبل أن يولد الطفل، حين يُعد الأبوان نفسيهما لتحمل مسؤولية صناعة إنسان، لا مجرد رعاية مولود.
فالطفل لا يحتاج إلى منزل جميل بقدر حاجته إلى أسرة مستقرة، ولا إلى ألعاب كثيرة بقدر حاجته إلى والدين يتفقان على منهج تربوي واضح. ومن هنا فإن أول خطوة في تربية الأبناء ليست توجيههم، وإنما تربية الآباء لأنفسهم.
إن كثيرًا من المشكلات السلوكية التي نراها في الأبناء ليست وليدة لحظة، وإنما هي نتيجة تراكمات صغيرة بدأت منذ السنوات الأولى، وربما قبل ذلك. فالطفل يتعلم بالمشاهدة أكثر مما يتعلم بالموعظة، ويقلد ما يراه في البيت أكثر مما يستجيب لما يسمعه من نصائح.
فكيف نطلب من أبنائنا الصدق ونحن لا نلتزم به في مواقفنا اليومية؟ وكيف نغرس فيهم احترام الآخرين إذا كانوا يشاهدون لغة الغضب والاستهزاء داخل المنزل؟ وكيف نطالبهم بضبط استخدام الهواتف ونحن أول من ينشغل بها على مائدة الطعام وفي جلسات الأسرة؟
إن التربية ليست كلمات تلقى، بل سلوك يُرى. ولذلك كان أعظم المربين قدوة قبل أن يكونوا موجهين.
ومن الأخطاء الشائعة أن ينشغل بعض الآباء بتأمين مستقبل أبنائهم المادي، ويغفلوا عن بناء مستقبلهم القيمي. فيحرصون على أفضل المدارس، وأحدث الأجهزة، وأجمل المقتنيات، لكنهم لا يجدون وقتًا للحوار، ولا للصلاة معهم، ولا للجلوس إليهم، ولا للاستماع إلى همومهم. ومع مرور السنوات، يكتشفون أن ما افتقده الأبناء لم يكن المال، بل القرب والاحتواء.
وليس المقصود من ذلك التقليل من أهمية توفير احتياجات الأسرة، فالسعي على الرزق عبادة ومسؤولية، لكن الخطأ أن نعوض غيابنا عن الأبناء بالأموال والهدايا، ظنًا منا أن ذلك يكفي لبناء شخصياتهم.
إن التربية الناجحة تبدأ حين يدرك الأبوان أن الطفل لا يحتاج إلى والدين كاملين، وإنما يحتاج إلى والدين صادقين، يعترفان بخطئهما، ويتعلمان كما يتعلم أبناؤهما، ويجعلان من البيت مدرسة للمحبة، والاحترام، والحوار، والانضباط.
كما أن التربية ليست مشروعًا موسميًا يبدأ عند وقوع المشكلة، بل هي عملية يومية تتراكم آثارها بصمت. فكلمة طيبة، أو موقف عادل، أو وعد يتم الوفاء به، قد يغرس في نفس الطفل قيمة تبقى معه مدى الحياة، كما أن إهمالًا متكررًا أو تناقضًا في السلوك قد يهدم ما نحاول بناءه بالكلمات.
ولذلك فإن أعظم هدية يقدمها الأب لابنه ليست المال، وأعظم هدية تقدمها الأم لابنتها ليست الرفاهية، وإنما أن يتركا لهما إرثًا من القيم، وحسن الخلق، والثقة بالنفس، والإيمان بالله، وحب العمل، واحترام الإنسان.
فإذا أحسنا بناء الجذور، أثمرت الأغصان، وإذا صلحت التربية في بداياتها، كان تقويمها في نهاياتها أيسر وأقرب إلى النجاح.
على طاولة التربية
الأبناء لا يحتاجون إلى آباء يصنعون لهم الحياة، بل إلى آباء يعلمونهم كيف يصنعون حياتهم بأنفسهم. فالتربية ليست حدثًا يبدأ عند ميلاد الطفل، وإنما مسؤولية تبدأ يوم يقرر الأبوان أن يكونا قدوة قبل أن يكونا مربيين.



