قصص وروايات

ظل تحت الماء.. حكاية منسية من ساحل الخابورة

سميحة الحوسنية

تشدني الأحداث التاريخية كثيرًا.. وأجد نفسي أقف على أعتابها.. أفتح الأبواب التي صدأت أقفالها من لفحات الشمس والرطوبة.. أنفض عنها غبار الزمن فتتساقط حبات الرمل والملح معًا في يدي لتروي ما وراء الأبواب والنوافذ الموصدة.. وبدأت كأنها حارس للمكان والزمان.. تخفي وراءها العديد من الحكايات.

في ولايتي “الخابورة” العريقة كان للبحر والمكان قصص قابعة في عمق الذاكرة طُبعت على ساحله.. فكان للحروف مذاقها، وللسرد متعته.. فبعض الشخصيات التي عاصرت تلك الحقبة الزمنية والتي وقعت أحداثها في 17 نوفمبر عام 1952م، والذي وافق -وقتذاك- 17 من صفر 1371هـ، ما زالت تحتفظ ببعض المشاهد وتحاول أن تعصف بذهنها لتقدم صورة واضحة وُثقت كجزء من ذاكرة وتاريخ الولاية.

حكايتنا الماتعة ليست من الأساطير وعالم الخيال، بل واقعة حقيقية تعود إلى وثيقة تاريخية تتحدث عن ظهور كائن بحري غريب وضخم قرب ساحل ولاية الخابورة، والذي جعل الناس في حالة من الذعر والخوف، لتنقلنا معها إلى ذلك الزمن البعيد فنرصد أدق التفاصيل.

بدأت الحكاية عندما خرجت دابة عظيمة وغريبة من البحر بالقرب من ساحل البر ببندر “الخابورة”.. كائن بحري عملاق يظهر لأول مرة، أثار الخوف والهلع بين الأهالي في مشهد مرعب.. فكان الصراخ يفعم الأجواء، فانتشر الخبر في جميع قرى الولاية وخارجها، ليشهد الساحل تجمعًا هائلًا من الملأ الذين وصلوا لرؤيتها، وكانوا خائفين من الاقتراب منها. ومن شدة الهلع.. بدأ البعض بالتكبير وقراءة الآيات القرآنية، والبعض الآخر فرّ هاربًا خشية أن تفرد جناحيها فتلتهمهم واحدًا تلو الآخر.. مشهد لا يصدقه العقل.. فهذه الدابة الضخمة تمتلك فمًا طويلًا وجناحين كأجنحة الطير، وأنيابًا حادة كأنها سيوف. طولها ستة وثلاثون ذراعًا، وعرضها سبعة أذرع تقريبًا، وارتفاعها كقدر قامة الإنسان الطويل.. فما كان من الرجال حينها إلا أن أخذوا ينهالون عليها بالرصاص، فكانت أكثر من 70 طلقة.. فعادت الدابة إلى البحر، وصوت الطلقات كان مزعجًا يخترق المسامع. البعض يقول: إنه أصابها، والبعض الآخر يقول: إنها خافت وعادت من حيث أتت.. لم ينم أهل الساحل في تلك الليلة المرعبة والعيون ترنو النظر إلى البحر.. والخوف محدق أن تعود وهم نيام فتقتلهم جميعًا.. فلم تنم “أفنار العرشان” حينها كعيون تحرس المكان.

في اليوم الثاني ظهرت الدابة من جديد على ساحل البحر شرقي الخابورة في منطقة تسمى “الخويرات”، حيث جرفتها الأمواج ميتة غارقة بدمائها من أثر طلقات الرصاص التي أصابتها.. تبدد الخوف تدريجيًا، فكانت فرحة الأهالي بتلك الوليمة التي سيحظى بها الجميع.

ولكن ما حدث كان غريبًا جدًا.. إنه عندما قام الأهالي بتقطيع شيء من لحمها ليضعوه في النار حدث شيء عجيب أذهلهم جميعًا، فلحمها يلتوي.. وكلما عاودوا المحاولات في تقطيعها تلتحم القطع مع بعضها البعض.. وسرعان ما سمعوا دويًا هائلًا كأنه جبل انفلق نصفين.. فقد انفجرت الدابة وسمع دويها القاصي والداني.. في تلك الأثناء جاء “البانيان”، وهم تجار في ولاية السويق، لمشاهدة هذا الحدث.. وقاموا بالتقاط العديد من الصور بـ”العكاسات” لإرسالها إلى الهند لغسلها وتصفيتها.

تلك الأحداث ضمتها وثيقة تاريخية لتكون إرثًا قديمًا يضاف لذاكرة الخابورة. تمت كتابتها وإرسالها من قبل شخص اسمه “محمد” إلى الشيخ علي بن عيسى الزدجالي، فاطلعه على الواقعة ليكون على دراية بالأمر، وكتب في الوثيقة أدق التفاصيل الوصفية ونقل حالة الأهالي ومدى خوفهم من ذلك الكائن البحري المجهول الذي أتى يحمل في جعبته الكثير من الأسرار ولغزًا حير الجميع: فمن أي عوالم أتى؟ وما هي قصته؟! وما يثير الاستغراب أن الصور التي تم التقاطها وأرسلها “البانيان” إلى الهند لم يأت بها خبر حتى الآن.

لتظل تلك الوثيقة شاهدة على هذا الحدث، وتأتي أيضًا ضمن عدة وثائق تضمها رفوف أرشيفية لتلك الشخصية جاد بها القرن العشرون، مترفة بعدة مراسلات، فكانت بقعة ضوء للتعرف على الإرث التاريخي.

كنت أسرد تلك الحكاية في تجمع نسائي، لتخبرني إحدى أمهاتنا بأنها شاهدة عيان على تلك الواقعة.. ورأت ذلك الكائن المخيف بعينيها، حيث سلكت طريق الساحل مع أخواتها وبنات قريتها، وكانت شابة صغيرة، لتنقل لي حالة الفوضى والخوف والصراخ.. وقرأت سطورًا في عينيها وإيماءاتها وتأثرها.. فقد عدت بها إلى أيام صباها لتسألني: كيف عرفتِ هذه القصة؟! وكأنها أحد الأسرار المخبأة في “مندوس” الذكريات، وأصبحت في طي النسيان.. أسئلة تبحث عن إجابة.

حدثتني وهي تشير بأصبعها إلى نقطة انطلاقها لرؤية الدابة تقول: كنا نرسم عدة صور لها لكي نقلل من حدة التوتر ومشاعر الخوف التي انتابتنا في تلك اللحظات قبل رؤيتها.. عندما وصلنا إلى المكان وشاهدنا الدابة أخذنا نرتجف، وأخذت كل واحدة تختبئ خلف “ليسو” أختها.. لعلها تهدأ من تلك الرعشة، فـ”الخابورة” خرجت عن بكرة أبيها لرؤيتها.. وسمع الجميع دويًا هائلًا عند انفجارها.. وتطايرت قطع اللحم كأنها أسراب طير فوق الرؤوس.. وقد تلونت مياه البحر وصارت “أحمر بنديره”.. اللون الأحمر القاني على امتداد البصر.. وتسابق بعدها الناس لأخذ حصتهم من “الحلى”.. ولكن لحمها لم يستفد منه أحد قط.. كنا نتمنى معرفة الأسباب.. كان أمرًا حير أولي الألباب.

ما زال الكائن البحري العملاق في ذاكرة “الخابورة” لغزًا لم تحل شفراته.. وحكاية سردتها وثيقة قديمة على رفوف التاريخ.
التقطت “عكاسة البانيان” الصور لتوثق الحدث.. رحل البانيان ولم تعد لنا الصور.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights