النصوصية وفكر أستاذتنا السديد الحر

كريم إبراهيم أحمد
باحث شرعي ومدقق لغوي
لا أدري لماذا قفز إلى ذهني لفظة اللصوصية حين أردت الكتابة، وإذا بالفرق بينهما حرف، ولا بد -والحالة هذه- من ترابط وثيق، والحق أن النصوصيين ولا سيما أصحاب الفكر! القشري السطحي المتعلق ليس بالظواهر فحسب بل بظواهر الظواهر بل بموهَم النص -بفتح الهاء- أي: ما يتوهمه المرء من النص، ونعوذ بالله من ظلمات الوهم والجهل.
الحق أن النصوصيين بهذه القيود لصوص، وذلك أنهم قلدوا غيرهم واعتقدوا صحة كلامه دون فكر ولا روية، وأخذوا يحشدون النصوص ليؤيدوا هذا الكلام الذي اعتقدوه واعتقدوا قائله من قبلُ، وليته كان جديرا بالتقليد والاعتقاد من ناحية، وليتهم فهموا كلامه من جهة أخرى.
وأود أن أقول: إن تسمية النصوصيين والسطحيين أصحاب فكر غير مسلَّم لديَّ إذ لو فكروا ما كانوا سطحيين والله أعلم. والأمر بيد الله من قبل ومن بعد.
ذات مرة كتبتْ أستاذتنا أستاذة الجيل ومربية الرجال والنساء زينب عبد السلام أبو الفضل (بارك الله لنا فيها وللعالمين أجمعين) مكتوبا ذكرت فيه: فلان -قدس الله ضريحه أو سره- فقلت لها بقشورية فجة (مع بالغ الأدب ووافر التبجيل طبعا): إن فلانا قال: الذي ينبغي: قدس الله روحه، فما كان منها إلَّا أن قالت لي: “لا ينبغي لمن يدرس تحت يدي أن يكون بهذه السطحية وتلك الحَرفية، ثم إني نقلتها هكذا عن شيوخي الثقات الأثبات. وذكرت لي أن الحَرفيين (بفتح الحاء لا كسرها) جامدون أبدا”. إذ لو كانوا حِرفيين لكفونا من جهتين أو باعتبارين: الجهة الأولى: أن والدها -رحمه الله- حين كان يأتيه المعترضون كان يسألهم عن مهنهم فكان يقول للحرفي: يا بني دعك من هذا وركز في عملك فهذا أنفع لك، والجهة الأخرى: لو كان المعترضون حِرفيين أصحاب مهارة في العلم كمهارة الحرفي في صنعته لما اعترضوا.
ولي هنا وقفات:
– مقولة أستاذتنا: لا ينبغي لمن يدرس تحت يدي.. نصيحة من مشفق أمين، ولا مجال لسوء الظن مع أستاذتنا؛ ذلك أنها من كبار محاربي سوء الظن. وهي من أساطين الفكر الموضوعي، وأئمة التفكير المستنير، وحاملة لواء المنهجية العلمية الدقيقة. (لفتة: قد يقول لي قائل: بالغت جدا. وبمنتهى السهولة: أقول له: أحسن الظن الله يخليك).
– أستاذتنا وارثة محمدية لأنوار وفيوضات {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} ففكرها عالمي موسوعي رحب جدًّا وهو متنافٍ جملة وتفصيلا مع النصوصيين، فلابد أن تصرخ في هذا النصوصي الذي لا فكر له ولا سيما أنه من أبنائها وهي لنا بمنزلة الوالد كما هو هدي سيدنا صلى الله عليه وسلم.
– ثم إنها نقلتها عن شيوخها، ومن شيوخها: والدها العارف بالله سيدي الشيخ عبد السلام، ومن شيوخه: سيدي سلامة العزامي وسيدي الخطيب النيدي وهم من هم وحسبك بهم، علاوة على شيوخ آخرين كثر جدا.
– وبالجملة فقصد أستاذتنا هو التحرر الفكري من القيود والأغلال، لأن السطحية من أكثر العوائق وأشد الموانع، وهي سجنٌ لعقل المفكر والباحث، وسم قاتل، لا تصلح معه حياة الباحث الحر المخلص، ولا تستقيم مسيرة المفكر المستنير مع وجوده.
– السطحيون آذوا الأحياء والأموات، وأماتوا الأنوار وأحيوا الظلمات، وجعلوا الناس بعيدا عن الظل وأقاموهم في الحرور.
وأنتقل إلى موقف آخر:
قالت لي أستاذتي غير مرة: أصلح ما بينك وبين الله يصلح الله ما بينك وبين خلقه.
والحق أني كنت أستغرب جدًّا.
وقد فهمت بعدُ مغزى نصحها، وهو منصبٌّ باختصارٍ على تعظيم سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه بالقلب لا بالعقل.
ينبغي أن نقر ونعترف أن السطحيين جفاة جدًّا مع سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومظاهر هذا الجفاء وصوره ملأت الأرض -أعني كل بقعة يكون فيها هؤلاء السطحيون- عياذا بالله.
فقد كنت من قومٍ يضعفون أو يقلدون من يضعف حديث الصلاة والسلام عشرا صباحا ومساء على سيدنا رسول الله، وكنت من قوم ضعْف الدليل عندهم يقتضي ضعف المدلول، والضعيف والموضوع عندهم في سلة واحدة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وواغوثاه من هذا الفكر المدمِّر.
تخيل: قوم ينتسبون إلى السلف الصالح ويقولون صباحا ومساءً: نحن الفرقة الناجية، ثم الصلاة والسلام على سيدنا عندهم بهذا التعامل، وسيقال: تفتري! لأنهم لا يقولون هذا، وهذا المعترض إنسان سطحي جدًّا؛ لأن المآلات والواقع ناطق طافح بجفاء السطحيين، فكل مدح لسيدنا غلو، ثم إنهم دائما يريدون الوارد نصا وحرفا. ويهاجمون الراسخين في العلم والذين يستنبطون.
وقد تعلمنا من أستاذتنا ترك الجدال.
هذا، وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.



