الرستاق.. فرصة أكبر مما نتصور!
د. خميس بن حمدان الغافري
عضو مجلس الشورى – ممثل ولاية الرستاق
كنت قبل أيام في زيارتين مختلفتين؛ الأولى إلى بلد سيت، والثانية في اتجاه جبل شمس، وتحديدًا إلى قريتَي “كرب” و”المارات” التابعتين لولاية الرستاق، وخلال الطريق وجدت نفسي أتأمل كثيرًا في التكوينات الجيولوجية التي تتميز بها هذه المناطق، وفي التنوع اللافت للمحاصيل الزراعية فيها.
وربما لأننا نعيش في الرستاق ونرى تفاصيلها كل يوم، اعتدنا على كثير من الأشياء التي يمكن أن يراها القادم إليها بصورة مختلفة؛ فما نراه طريقًا اعتدنا المرور فيه قد يراه مستثمر مسارًا تجاريًّا، وما نراه قرية جميلة أو واديًا أو موقعًا تاريخيًّا قد يراه آخر فرصة سياحية، وما نراه محصولًا زراعيًّا محليًّا قد يكون بداية لمنتج جديد أو صناعة صغيرة أو علامة تجارية تصل إلى أسواق أبعد.
وهذ ما جعلني أفكر في أن الرستاق ربما تحمل فرصة اقتصادية أكبر مما نتصور!
غالبًا ما يرتبط حديثنا عن تنمية الولايات بالمشروعات الحكومية: طريق جديد، أو مستشفى، أو مدرسة، أو موقع سياحي، أو خدمة عامة، وهذه المشروعات مهمة ولا غنى عنها، ومن حق الولايات أن تسعى إلى نصيبها العادل منها، لكن هناك جانبًا آخر من التنمية يستحق أن نفكر فيه بصورة أكبر: ماذا نصنع نحن حول هذه المشروعات والمقومات؟
فالطريق يصنع حركة، والحركة تحتاج إلى خدمات، والموقع السياحي لا تقتصر قيمته على عدد الزوار، وإنما على ما يمكن أن ينشأ حوله من مطاعم ومقاهٍ ونُزل وتجارب سياحية ومنتجات محلية وخدمات نقل وإرشاد، والزراعة لا تتوقف قيمتها عند بيع المحصول بصورته الأولية، وإنما يمكن أن تمتد إلى التصنيع والتعبئة والتسويق وبناء منتجات تحمل اسم المكان.
وفي الرستاق تحديدًا، لدينا ولاية تجمع بين التاريخ والطبيعة والزراعة والتجمعات السكانية، إلى جانب موقع يمكن أن يخدم حركة بين أكثر من محافظة، لكن امتلاك الميزة وحده لا يصنع اقتصادًا. القيمة الحقيقية تبدأ عندما نجد من يحول هذه الميزة إلى مشروع، ومن يربط بين الفرص، ومن يساعد الشباب والمؤسسات الصغيرة على الوصول إليها.
قد يكون الشاب الذي يبحث اليوم عن وظيفة — بعد تدريب جيد وتسهيل مناسب — قادرًا على تقديم خدمة يحتاج إليها السوق، وقد تستطيع أسرة منتجة أن تحول نشاطًا محدودًا إلى مشروع مستدام، وقد ينتقل المزارع من بيع محصوله الخام إلى منتج ذي قيمة أكبر، وقد يجد صاحب مؤسسة صغيرة فرصة في خدمة مشروع أكبر إذا عرف أين توجد الفرصة، وكيف يستعد لها.
ولا يعني ذلك أن نقول للشباب: ابدؤوا مشروعاتكم، ثم نتركهم وحدهم في مواجهة السوق؛ فصناعة الفرص مسؤولية مشتركة. الجهات الحكومية يمكن أن تسهم بالتنظيم والتسهيل وفتح المجالات، والقطاع الخاص بالشراكات، والمؤسسات التمويلية بالتمويل المناسب، ومؤسسات التدريب ببناء المهارات التي يحتاج إليها السوق فعلًا، والمجتمع بتشجيع المنتج والخدمة المحلية.
وهذا ليس بعيدًا عن التوجه الذي تسير عليه سلطنة عُمان في تعزيز تنمية المحافظات والاستفادة من ميزاتها النسبية، وهو توجه حاضر بوضوح ضمن أولويات رؤية عُمان 2040.
لكنني أعتقد أن الرستاق تحتاج إلى خطوة عملية إضافية: خريطة واضحة للفرص الاقتصادية في الولاية.
ولا أقصد بذلك دراسة أخرى توضع على الرف، وإنما خريطة حقيقية يعرف من خلالها الشاب أين توجد الفرص، ويعرف المستثمر ما الذي يحتاج إليه السوق، وتتعرف المؤسسات الصغيرة على المجالات التي يمكن أن تدخل فيها. خريطة تربط السياحة بالمنتج المحلي، والزراعة بالتصنيع، والطرق بالخدمات، والمشروعات بالمؤسسات الصغيرة، والتدريب بالاحتياجات الحقيقية للسوق.
وربما نحتاج أيضًا إلى تغيير جزء من السؤال الذي نطرحه على شبابنا. فبدل أن يكون السؤال دائمًا: أين الوظيفة؟ يمكن أن نضيف إليه سؤالًا آخر: أين الفرصة؟ وكيف نساعدك على الوصول إليها؟
ولا أقول ذلك باعتباره بديلًا عن مسؤولية توفير فرص العمل، أو تقليلًا من أهميتها، وإنما لأن الاقتصادات المحلية القوية تُبنى من خلال مئات الأنشطة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تتحرك داخل المجتمع، وتخلق الدخل، وتوظف الآخرين، وتبقي جزءًا أكبر من القيمة الاقتصادية داخل الولاية.
الرستاق تحتاج بالتأكيد إلى مزيد من المشروعات والبنية الأساسية والاستثمارات، وسنظل نطالب بما تستحقه منها، لكن في الوقت نفسه لدينا مسؤولية أخرى لا تقل أهمية: أن نحسن استثمار ما نملكه بالفعل، وأن نستعد لما يمكن أن تصنعه المشروعات القادمة من فرص.
فكل زائر يدخل الرستاق فرصة، وكل طريق تتحسن حركته فرصة، وكل مشروع يُنفذ فرصة، وكل منتج محلي يمكن تطويره فرصة، وكل شاب يمتلك مهارة يمكن أن يكون بداية لفرصة جديدة.
المهم ألا تمر هذه الفرص أمامنا دون أن نراها.
وطموحي للرستاق أن نصل خلال السنوات القادمة إلى مرحلة لا يكون فيها حديثنا منصبًّا فقط على المشروعات التي نحتاج إليها، وإنما أيضًا على الفرص التي استطعنا أن نصنعها بأنفسنا؛ وأن يجد أبناء الولاية مساحة أوسع للعمل والاستثمار والإنتاج، وأن يتحول ما تملكه الرستاق من مقومات إلى قيمة اقتصادية حقيقية تنعكس على حياة أهلها.
الرستاق فرصة أكبر مما نتصور، وما نحتاجه هو أن نؤمن بهذه الفرصة، ونحسن الاستعداد لها، ونبدأ في تحويلها إلى واقع.



