قصص وروايات

الظِّلُّ أسكنَها معه…

سليمة الغيلاني

من غُرفتها المجهولة، المُطِلَّة على زِقاقٍ فيه بعضُ الاتِّساع، مُطِلٌّ ذاك الزِّقاقُ على أزقّةٍ أخرى، يجعلُ المارِّين أصدقاءَ رغمًا عنهم.
هذه حارتي؛ أزقّتُها حبيبةٌ للنفس، قريبةٌ للقلوب، والمجهولُ فيها فقط من جعل من نفسه وسطَ السلاسل والحصون…

أزقّةُ حارتي تكاد تتفقّدك إن لم تمرَّ بها مرّةً أو مرّتين على أقلِّ تقدير…

ملامحُها لا تستقرُّ في ذاكرتي، مع أنّ الجدارَ يوشك أن يحتضن الجدار…

كنّا نخترعُ الألعاب اختراعًا، ونتنافس على الأوّل، ونضعُ العراقيلَ والحلول.
أصواتُنا موسيقى لحجارةٍ صُنعت بها البيوت، ليست كما هي الآن؛ فهناك شقوقٌ كنّا ندسُّ فيها صفحاتٍ من القرآن الكريم، نعثرُ عليها قرب المسجد الخَرِب…

ذلك اليوم لم أستطع النهوض؛ لحمّى ألمّت بي. رأيتُها تفتح درفة الغرفة لتنظر ماذا نلعب اليوم، وعلمتُ بعد ذلك أنّها لا تفتحها إلا كمتنفّسٍ واستراحةٍ بعد الدراسة…

بعضُ البشر يفقدون نبض الحياة وهم أحياء…

رأيتُها ذلك اليوم، إذ لم أستطع المشاركة لشدّة الحُمّى؛ فلا شيء يُنسيني تلك الحُمّى إلا تفكيك ذلك اللغز الذي لم أكن أتفرّغ له من شدّة شغفي باللعب مع أقراني.
وما إن نسمع أذان العصر، حتى نندفع خارج الأبواب، وينطلق الأطفال من خلف تلك القضبان…

سرحتُ في ذلك اللغز، الذي لم يكن يهمّني بقدر ما كان استفهامًا يدور في مخيلتي بين حينٍ وآخر…

وحين أرفع عيني إلى السماء، تواجهني ملامحُها غيرُ الواضحة خلف عمود الدرفة القديم…
بناتُ الحارة يلعبنَ (السِّكِّينَة)، ذلك المستطيل المرسوم على الأرض بمربّعاتٍ متساوية وعمودين مكرّرين…

كنّا نتسابق: من يرسم هذا المستطيل، ومن يُجهّزه يكون القائد ويتقدّم في اللعب.
كنّا نرسمه إمّا بـ (نُورة) أو (طَبْشور)، ونُهَيِّئ (السَّكَّان)، وهي حجرٌ من أحجار البحر، نختارها ملساء عريضة قليلًا، حتى تحتضن المربّع في جميع مراحله…
ونقفزُ بأقدامنا الصغيرة لنبلغ آخر المراحل دفعةً واحدة، دون خطأٍ يُعيدنا إلى بداية الدور: ثانيةً، فثالثة…

لمحتُ اقتراب ملامحها لأول مرة، وقد اندمجت قليلًا فيما يحدث في اللعب.
حاولتُ أن أركّز فيما هي مُلقية عليه نظرها…

ما الذي يشدّ عينيها إلى هذا الحدّ حتى تكاد ملامحها تخرج من فتحات درفة غرفتها؟
وهنا كان السؤال الذي يحيرني:
لماذا لا تنزلين؟ لماذا كبرتِ هكذا بلا سبب؟ لماذا تعيشين بلا نبض الحياة؟…

القليل من اللهو واللعب لن يقتلكِ، بل سيعيدكِ طاقةً أخرى لم تكتشفيها بعد…

سمعنا جميعًا أذان المغرب فوق رؤوسنا، وفي سرعةٍ متناهية انتشرت الأصوات ورحلت نحو بيوتها…

نظرتُ إلى الأعلى، فإذا بالوجه يتلاشى داخل الغرفة…

تمرّ الأيام والسنون، ونخرج من عباءة الطفولة والحارة معًا، طفرةً واحدة…
وتنفضُّ قلوبنا غبار السنين حين نلمح أحد رفقاء تلك الأيام…
أما هي، فما زالت ذاكرتي تحتفظ بملامحها الشاحبة، _وكأنّ الظلّ أسكنها معه في الغرفة…_
فصار شبحها عالقًا هناك، يشاهد الأطفال يلعبون في نفس السِّكَّة المطلة على أزقةٍ نحبّها وتحبّنا…
لكننا عبرنا… ككل البشر، عبر المكان والزمان.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights