القرآن الكريم منهج بناء

(قراءة في محاضرة “لماذا يحتاج العالم للمسلمين؟” للشيخ الدكتور وائل الحراصي)
إسماعيل بن حبيب الشكيلي
إن الله تعالى إذا أراد بعبده خيرا وفقه إليه، وهيأ له أسبابه، وساقه إلى أبوابه من حيث لا يشعر، ومن جميل توفيق الله تعالى لي أن ساقني إلى حضور محاضرة ثرية ألقاها الشيخ الدكتور وائل الحراصي بعنوان: “لماذا يحتاج العالم للمسلمين؟”. ورغم أنني لم أوفق إلى حضورها منذ بدايتها، فإن ما أدركته منها كان كافيا لأن يثير في نفسي جملة من التأملات والأفكار التي استحقت أن تكتب.
لقد تناول الشيخ القرآن الكريم من زاوية منهجية وحضارية كاشفا عن أبعاد تتجاوز النظر إليه بوصفه كتابا للتعبد والتلاوة فحسب إلى اعتباره منهجا متكاملا لبناء الإنسان وصناعة الأمة وإقامة الحضارة، وكانت هذه الرؤية من أكثر ما استوقفني في المحاضرة، إذ أعادت توجيه النظر إلى القرآن باعتباره مشروعا للحياة قبل أن يكون كتابا للوعظ والإرشاد ، ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال محاولة تلخيص أبرز المحاور التي عرضها الشيخ في محاضرته مع إيراد بعض التأملات التي أحببت أن أضيفها، مع الحرص على أن تظل الفكرة المركزية التي قامت عليها المحاضرة حاضرة في هذا النقال.
في البداية نعلم أن الله تعالى خالق الكون ومنزل القرآن كتابا يتحدث عن هذا الكون ويكشف نواميسه وسننه، ويهدي الإنسان إلى كيفية التعامل مع ما حوله. فلم يكن القرآن كتابا للعبادة المجردة فقط، بل كان منهجا متكاملا للحياة يضبط علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالكون من حوله، ويقيم التوازن بين الجوانب الروحية والعقلية والمادية ليكون الميزان الذي تستقيم به شؤون الحياة.
إن أول كلمة نزل بها الوحي قوله تعالى: “اقرأ” لم تكن من قبيل المصادفة فقد كانت زلزالا هزّ عروش الأمم آنذاك، وإعلانا عن ميلاد أمة جديدة قوامها المعرفة وأساسها المنهجية، لقد أحدثت هذه الكلمة تحولا حضاريا عميقا، إذ نقلت الأمة من واقع يغلب عليه الجهل والأمية إلى أمة جعلت العلم طريقا لنهضتها والمعرفة أساس رسالتها، ولم يكن الخطاب موجها إلى فئة دون أخرى، بل كان دعوة عامة إلى طلب العلم، ليصبح الحق في المعرفة متاحا لكل إنسان دون احتكار أو تمييز.
وقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المنهج في واقع عملي، فجعل العلم من أولويات المجتمع المسلم، فدعا إليه وحث عليه، ويتجلى ذلك بوضوح في تعامله مع أسرى بدر حين جعل فداء عدد منهم تعليم أبناء المسلمين القراءة والكتابة بدلا من دفع المال، وكان ذلك إعلانا صريحا بأن العلم أهم من المال وأن بناء الإنسان مقدم على جمع الثروة، فالعلم هو الذي يصنع الأمة ويوجه المال ويقيم الحضارة، أما المال وحده فقد يمنح النفوذ والسلطة، لكنه لا يبني الأمم ولا يصنع الحضارات.
إن القرآن الكريم هو أول كتاب عربي كامل وصل إلينا مدونا ومحفوظا في ورق، ولم يكن تدوينه مجرد وسيلة للحفظ، بل كان تأسيسا لمنهج علمي قائم على الدقة والتحري والتثبت والتوثيق، لقد كان مشروعا ربانيا لبناء أمة باقية، تحفظ مصادرها وتصون معرفتها وتورثها للأجيال دون زيادة أو نقصان، لقد كان دستورا رصينا متكاملا لبناء أمة. ثم جسد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المنهج القرآني في مشروع تربوي متكامل، فكانت ( الصفّة ) أول مدرسة في الإسلام تعنى بإعداد الإنسان علميا وتربويا، وتخريج جيل يحمل رسالة العلم والدعوة وبناء المجتمع في مختلف مجالات الحياة، ثم جاء المسجد ليكمل حمل هذه الرسالة، فالتقت في حلقاته العلمية روح العقيدة وتأملات العقل وتحليلاته.
ولم يدعو القرآن الكريم إلى التعلم فحسب، بل رسم منهجا عقليا متكاملا للبحث والمعرفة، إذ دعا إلى الملاحظة، والتأمل، والاستقراء، ثم الاستدلال، وأخيرا إصدار الأحكام على أساس الدليل والبرهان، وهي خطوات تتقاطع اليوم في جوهرها مع المنهج العلمي الحديث. ومن هنا استطاع المسلمون أن يحققوا قفزة حضارية كبرى في شتى العلوم، فلم يقتصر عطاؤهم على التوسع في المعرفة، بل تميزوا بالإبداع والإضافة والتأسيس، فظهرت علوم لم تكن معروفة من قبل. والأن القرآن كان المنطلق الفكري للأمة، فقد وحد مصادر المعرفة، وربط مختلف العلوم برؤية واحدة للإنسان والكون والحياة. فأصبحت العلوم جميعها، على اختلاف مجالاتها تنطلق من تصور قرآني متكامل يجعل المعرفة وسيلة لإعمار الأرض وتحقيق الاستخلاف لا غاية منفصلة عن القيم.
في المقابل عانت أمم كثيرة عبر تاريخها من الصراع بين الدين والعلم، نتيجة ما أصاب كتبها من التحريف، أو لأن قوامها بشري محض، حتى أصبح الدين في بعض الحضارات عائقا أمام المعرفة، بل أصبح العلم خطرا يهدد الدين، أما القرآن الكريم، فلم يجعل الدين في مواجهة العلم بل أقام علاقة تكامل بين هداية الوحي وعمل العقل، وجعل طلب المعرفة حقا لكل إنسان لا يختص بطبقة دينية أو فئة اجتماعية بعينها _كما كان سائدا_ وأصبح للتعلم قيمة دينية وحضارية وحافزا اساسيا للبحث والاكتشاف، ولهذا شجع القرآن على التفكير والنظر والسير في الأرض قال تعالي “قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ “( العنكبوت ٢٠ ) كما دعا إلى السعي في طلب العلم والرحلة إليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” مَن خرَج في طَلَبِ العِلمِ، كان في سَبيلِ اللَّهِ حَتَّى يرجِعَ” (رواه الترمذي ) فكان لذلك أثر في انبثاق حركة علمية واسعة تجاوزت الحدود الجغرافية وأسهمت في بناء حضارة إنسانية امتد أثرها إلى مختلف الأمم.
ومن أسرار تأثير القرآن وخلوده تنوع خطابه، فهو كتاب لكل زمان ومكان يخاطب الإنسان بمختلف أنماط تفكيره واستجاباته، فتارة يعرض القصة، وتارة يقيم الحجة العقلية، وتارة يقرر الأحكام، أو يلفت الأنظار إلى آيات الكون، أو يخاطب الوجدان، وبذلك استطاع أن يصل إلى مختلف العقول والنفوس، وأن يبقى صالحا لهداية البشرية على اختلاف ثقافاتها وأزمانها، فالله سبحانه وهو خالق الإنسان أعلم بالطريقة الأنسب لفطرته في اكتساب المعرفة وبناء الحضارة.
ولئن تكفل الله بحفظ القرآن الكريم مدونا ومحفوظا، فإن السنة النبوية لم تدون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بالطريقة نفسها، ولم يكن ذلك نقصا أو خللا بل كان _كما يرى الحراصي_ مرحلة من مراحل البناء الحضاري، فالجيل الذي تربى على منهج القرآن وتشرب قيم الدقة والتثبت أصبح قادرا على إنشاء منهج علمي فريد لحفظ السنة، فظهرت علوم الإسناد، والجرح والتعديل، ونقد المتون، وغيرها من العلوم الدقيقة التي لم تعرفها أمة من قبل، وهذا دليل على أن المنهج القرآني لم يعلم الإنسان منهجية حفظ نصوص الوحي فقط، بل كون العقل القادر على ابتكار المناهج العلمية وصياغتها في مختلف ميادين المعرفة.
لقد استطاع المسلمون في الماضي أن يبنوا حضارة عظيمة، حين التزموا بالمنهج الرباني وجعلوا القرآن مصدر الهداية ومنهج العلم والعمل، واستثمروا السنن الكونية والأحكام الشرعية في بناء الإنسان والعمران، غير أن المسلمين لما هجروا المنهج القرآني في بناء الفكر والحياة، انكمش دورهم الحضاري، وخفت أثرهم بين الأمم، وما إن يعودوا إلى القرآن الكريم ويجعلونه منطلقا للفكر ومرجعا للعلم ومنهجا لبناء الإنسان والحضارة، حتى تستعيد الأمة رسالتها وتنهض من جديد وتعود فاعلا مؤثرا في صناعة الحضارة الإنسانية.



