“ما زالتْ أجسادُهن داخل الغرفة”
سليمة الغيلاني
من مدينتي صور
عند أحد أبواب المنازل،
وقفت أمي، ورفعت إصبعها على الجرس، وما كادت تفعل، إلا وعاملة المنزل تفتح الباب، وبحاجبين مندهشين أشارت إلى الدخول…
التقطت عيني _دهليزًا طويلًا،_ مطلًّا على (الحويّة١)، قد لمع فيها _(الحصحيص الأبيض كالفرّاخ)_، فكان امتزاجًا بين بياض وزرقة سماء…
فقد أبدع الفنان العُماني في رسم تلك اللوحة، وطبّقوها في أحواش منازلهم،
لتكون متنفسًا للعائلة في المساء، _وقد انتزعت أمواج البحر تلك الأحجار من أعماقها_ لتهدي أهل السواحل تلك اللوحة المحرّكة لمشاعر الراحة والسلام معًا…
أدخلتنا العاملة إلى ديوانية النساء، واستدارت إلى داخل الغرفة لتأخذ وعاء الماء لاستبداله…
انتظرنا دقائق،
_حتى جاء ظلّ صاحبة المنزل،_ وعند باب الغرفة تغيّرت إضاءة المكان،
فبدأ السلام، وذلك السؤال الذي لا نملّ منه نحن أبناء الجزيرة العربية التي اختزلت في (الأخبار والعلوم)…
في دقائق،
تم السؤال عن كل العائلة،
وآخر أخبار الصحّة.
*(1)*
*_**_**_*__
*الهامش:*
الحويّة: الحوش الذي يكون أمام الغرف مباشرة.
الحصحيص: عبارة عن بيوت الحلزونات بعدما فقدت صاحبها الحلزون…
الفرّاخ: الشدة على الراء هو اسم (للذرة) لإيصال فكرة شدة البياض…
*_**_*__
*ما زالتْ أجسادُهن داخل الغرفة*
*(2)*
لمحتُ وجودي، فسألتني عن حالي،
ردّت أمي: إنها ابنتي تدرس في مدينةٍ أخرى،
واستدرجت ككل الأمهات تعليقًا، تعلّمين أكل البنات!! طوال هذه الإجازة، تعاني من قلة الأكل وكراهيته…
نظرتْ متفحصةً من بعيد لعيني، ثم مدت يدها لدرجٍ كان بقربها لتفتحه، أمسكتُ بعلبته واقتربتُ مني بلا إشارة منها بتأكيدٍ أو نفيٍ لما تعتقده أمي…
وإذا بوخزةٍ خلف أذني، ثم
أشارت لي وهي ما زالت مستمرةً مع أمي في الحديث،
وبنفس الشعور في الأذن الأخرى، هكذا بسرعة الخبرة والتعود، ثم أرجعتُ العلبة كما كانت في حضن الدرج،
ورمت شيئًا كان في يدها،
لم أعرفه…
والفضول في معرفته شدّني…
وإذا بالعاملة فوق رأسي،
وفي يدها (ديس١)…
لم ألحظ جيدًا ما فيه،
فتناولتُ ذلك الشيء منه،
ووضعته خلف أذني هناك،
مكان الوخز…
ووضعتُ بعد ذلك قطنةً لكلتا الأذنين، وأشارت بملامح جامدة: (لفّي الشيلة ٢) على رأسك حتى تصلي إلى بيتك،
ليمتص الكركم مكان شرطة الموس…
استوعبتُ متأخرةً أنها قامت بما يُسمّى الشطب عن (بوصفار)، هكذا نسميه بالعامية، وهو مرض (الصفراء)…
وهذا العلاج يأتي بالشفاء،
خاصةً إذا كان في بداية مراحله الأولى…
ما إن انتهت من حديثها،
إلا واستدارت نحو مفرشٍ رُصِف فيه بعض أطباق الضيافة وبعض منها من طبخ المنزل…
أقبلت بتركيز على أمي ورحّبتْ بها مرة أخرى وقد
أخذنا فنجانًا من القهوة،
(أفيون) العمانيين مع التمر العُماني، الذي لا يخلو بيتٌ منه…
مع صحونٍ قد تكثر أو تقل،
الأهم تلك الفناجين،
_(وذلك التمر غير المعلن عنه…)_
إلا إذا كُشف عنه اللثام لسرعة
(معرفة الذباب بوجوده).
*_**_**_*_
ديس: هو وعاء صغير عميق بعض الشيء
الشيلة: هي حجاب ويستخدم كخمار للوجه أيضًا.
*_**_*_**_
*ما زالتْ أجسادُهن في الغرفة*
*(3)*
النساء حديثهن حديث الحياة نفسها.
قالت لأمي وهي تصب لنفسها الفنجان الثاني: تمت خطبة ابنتيّ في نفس التوقيت، وقد أصررت على أن تكون كل المراسم في نفس الوقت، وأردفت، لنا أكثر من شهرين ونحن لم نترك مسقط ولا دبي ولا سوق البنّائين في السوق القديم، وبعد إلى الآن لم (نجصيها١)، رفعت حاجبي بتلقائية وفي خاطري قلت وبعد لم (تجصيها!!!)، ثم أردفت: عشرة آلاف ماذا تفعل في هذا الزمان، الذهب وحده أخذ أكثر من نصفه وأكثر والذي تبقى لا أعلم أين سأضعه!!!
أردفت وكأنها تزيح عن صدرها التفكير والقلق الكثير، فسحبت شهيقًا وزفيرًا معًا، وصلني من همها الكثير وحتى قلقها ومشاعرها الكثيرة والمتضاربة وقالت في هم واضح: يا أختي _(العرسُ لم يَعُد فرحًا، بل همٌّ كالجبل، لا ينزاحُ إلا حين ينتهي.)_
وأمي تواسيها مع يقيني أنها تردد هذه الشكوى لكل من تراه…
وقفت أمي تستأذن للخروج وخلفها أنا أيضًا وقفت مع بعض الدوار ولكن تمالكت نفسي دون إظهار ذلك لأمي، أما صاحبة المنزل ما زالت تريح همها بتكرار الحديث نفسه، هكذا النساء يخففن على أنفسهن الهموم بالحديث عنها مرارًا وتكرارًا كلما تهيأت لهن الفرصة بالحديث عنه..
خرجنا وقد حلّقت أمي بفكرها بعيدًا فلديها شباب في ريعان شبابهم، ووقع المهر في صدر أمي همًا، وصدى صوت السيدة وهي ممتعضة من المهر وكيف ستدبر أمرها به، ما زال صداه يتردد في أذني فكيف بأمي.
*_**_*_*_
لم نجصيها: لم ننته منه
*_**_**_**_
*ما زالتْ أجسادُهن في الغرفة*
*(4)*
عند مرورنا بحارتنا، دخلنا اختصارًا (بسكةٍ ١) ضيقة، حتى وصلنا عبر زقاقٍ ضيق إلى غرفة هي فعلًا متنفسٌ للنساء،
فهناك يلتقين حول دلة القهوة، _فأم علي_ تزين لهن مفرش الضيافة بكل ما تستطيع من خبزٍ عماني (رغال، مرظف، رجيج، مجصجص)، ويأتي ساخنًا من ذلك المطبخ الذي لا يبعد إلا خطواتٍ يسيرة، فالغرفة والمطبخ منزويان بعيدًا بعض الشيء عن حرم البيت، ولهذا كان اسمٌ على مسمى، فهي حقًا غرفة شبيهة بغرفة الاجتماعات، ومجلس للمشورة، والإعلان عن منتج، والكثير الكثير…
_أما أم عبدالله_ فتأتي بتلك الخبيصة الحارة برائحة الهيل والزعفران، وقد تبعثرت رائحة الشياط في الزقاق….
لكل من النساء وقتٌ معين للوصول إلى قاعة المؤتمرات تلك، ولكن ساعة الذروة هي العاشرة، ولا تأتي الثانية عشرة ظهرًا إلا وقد انفضّ المجلس، وقد تبعثرت ما يعرضنه من (بضاعتهن)، فهناك أيضًا يحدث التبادل التجاري، وإبرام العقود، وأيضًا النصائح، خاصة لمرضى السكر، بل وأحيانًا يأخذن أدوية بعضهن بعضًا بتصاريح (الخبرة الطبية)….
بدأ المؤتمر بالسلام، وبدأت هذه المرة بالسؤال عني وماذا أجد الآن من حال، وطبعًا لم يخلُ من وصفات علاجية، واتقاء أكل الدهون والمقلي من السمك وغيره، ووصفات النساء الشعبية والنصائح الذهبية، وذلك دليل حب وود تأتيك من هنا ومن هناك، ولا يبدر مني إلا كل حب وامتنان لاهتمامهن، فكانت عبارتي (إن شاء الله)، مع علمي بكسلي لعدم قيامي بأي نصيحة ذُكرت…
سكبنا القهوة، وأخذت الفناجين تعبر عبر الأيادي مع الصحون الممتلئة بها المفرش، وحديث الساعة الذي فتحته أمي من خلال السيدة التي زرناها عن المهور، وكان حديثهن ذا شجون…
فبين أمهات بناتهن في سن الزواج، وبين أمهات أبنائهن في سن الزواج، _كانت معركة الحق والباطل، والباطل والحق،_ فمن لديها ذلك العام شاب يتجهز لزواج، تصرخ أمه معلنة عن الفساد المجتمعي والبدع التي أُدخلت في المجتمع، فكل يوم تزداد التبعات في الزواج والبذخ، والكل يريد أن يطبق الجديد والموضة، على كاهل الشباب الذين تموج بهم الهموم، فيهربون من مقهى إلى ساحل البحر، يرمون بهمومهم واستسلامهم لما سُنَّ من بدعٍ وتبعاتٍ ما أنزل الله بها من سلطان…
والتي لديها بنت قد تمت خطبتها تجمع وتطرح بكلتا يديها، وأمام أعينها سحابة من الأفكار التي تكونت، فسرحت بعيدًا أيضًا عن بقية النساء في سؤالٍ حيرها: أين سيصل هذا المهر أمام كل المتطلبات التي سُنت من بدع النساء وسلبية الرجال…..
_سبحت كل واحدة بهمومها بعيدًا، وإن كانت أجسادُهن ما زالت في الغرفة……_
*النهاية*
**_**_*
*الهامش:*
السكة: جمع سك، أي ممر ضيق.
