رواية: قبل أن تختفي الدقيقة الأخيرة الفصل الرابع عشر – دقيقة واحدة فقط
ميمونة بنت علي الكلبانية
ساد الصمت.
حتى الرياح اختفت.
حدّقت رهف في الظل الأسود الذي وقف أمامها، بلا وجه، ولا عينين، ولا ملامح يمكن الإمساك بها.
لكنها كانت تعرفه…
ليس لأنها رأته من قبل…
بل لأن قلبها ارتجف، كما لو أنه تذكّر شيئًا نسيه العقل.
قال الظل بصوت يشبه صدى آلاف الأصوات:
— انتهت اللعبة.
شدّت رهف قبضتها.
— من أنت؟
ابتسم…
أو هكذا بدا، رغم أنه بلا ملامح.
— أنا النهاية التي تهربين منها في كل مرة.
التفتت إلى الشاب.
كان واقفًا بصمت، وعيناه لا تفارقان الظل.
سألته رهف:
— هل تعرفه؟
أجاب بصوت خافت:
— أعرف ما يمثّله.
— وما الذي يمثّله؟
نظر إلى الظل طويلًا، ثم قال:
— آخر دقيقة… قبل أن يختفي كل شيء.
رفع الظل يده.
فتوقفت القرية بالكامل.
تجمّد الغبار في الهواء.
توقفت الشقوق عن الاتساع.
حتى أنفاس رهف شعرت بأنها عالقة داخل صدرها.
ثم بدأت صور تحيط بها من كل جانب.
رأت نفسها طفلة تركض في حديقة.
رأت أخاها يضحك وهو يمسك يدها.
رأت والدتها تحتضنها.
ثم…
رأت الحادث.
لكن هذه المرة بوضوح.
كانت السيارة تنحرف بسرعة.
صرخة.
اصطدام.
زجاج يتطاير.
وفي اللحظة التي توقف فيها الزمن…
لم تكن رهف وحدها داخل السيارة.
التفتت نحو الشاب.
اتسعت عيناها.
— أنت…
خفض رأسه.
— نعم.
— كنت هناك.
ساد صمت ثقيل.
قالت رهف بصوت مرتجف:
— كنت تقود السيارة؟
رفع عينيه إليها، وكان الألم واضحًا فيهما.
— نعم.
تراجعت رهف خطوة.
— أنت السبب؟
ظل صامتًا للحظات، ثم قال:
— هذا ما كنت أظنه طوال هذه السنوات.
— ماذا تقصد؟
— كنت أعيش هذا اليوم مرة بعد مرة، معتقدًا أنني السبب.
ثم أضاف بصوت مكسور:
— لكن الحقيقة ليست كما تتخيلين.
بدأت الأرض تهتز.
صرخ الظل:
— لا تتذكّرا!
لكن الذكريات كانت قد بدأت تعود.
تذكرت رهف أنها هي من أمسكت بالمقود فجأة، محاولةً تجنّب قطّ اندفع إلى الطريق.
تذكرت أن الشاب حاول السيطرة على السيارة حتى اللحظة الأخيرة.
وتذكرت شيئًا آخر…
بعد الاصطدام…
فتح الشاب الباب بصعوبة.
أخرجها من السيارة.
وبقي هو في الداخل.
ثم…
عاد إليها مرة أخرى.
رغم أن السيارة كانت على وشك الانفجار.
همست رهف والدموع تملأ عينيها:
— لقد… أنقذتني.
ابتسم لأول مرة.
ابتسامة هادئة، متعبة.
وقال:
— ولم أندم.
صرخ الظل بغضب، فتشققت السماء أكثر.
— يكفي!
بدأت القرية تنهار.
المباني تتساقط.
الأرض تنفتح.
السماء تتحول إلى ظلام كامل.
ثم ظهر أمام رهف عدّ تنازلي مضيء.
٠٠:٠١:٠٠
ستون ثانية فقط.
قال الشاب وهو ينظر إلى العدّاد:
— هذه هي الدقيقة الأخيرة.
نظرت إليه رهف بخوف.
— ماذا سيحدث إذا انتهت؟
أجاب بهدوء:
— إما أن تعودي إلى الحياة…
ثم سكت.
نظرت إليه رهف، تنتظر بقية الجملة.
فقال:
— أو يختفي هذا العالم… ونختفي معه.
نظرت رهف إلى العدّاد.
٠٠:٠٠:٥٩
وللمرة الأولى…
أدركت أن دقيقة واحدة قد تكون كافية لتغيّر مصير حياة كاملة.
يتبع…الفصل الخامس عشر — أول مرة أحبك
