مقالات صحفية

الكنز المفقود

د.إنعام بنت محمد المقيمية

مستشارة نفسية 

وجدتُ في صندوقٍ قديم لم أفتحه منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، يحتفظ بدفاتر ذكرياتي وخواطري، كلماتٍ كتبتها في بداياتي مع التعليم. توقفتُ عندها طويلًا، وشعرتُ أنها ما زالت تحمل رسالةً أؤمن بها حتى اليوم، فأحببتُ أن أشاركها مع المعلمين مع بداية عامٍ دراسي جديد.

كانت تسألني: ما الطريقة السحرية التي تتبعينها حتى يهدأ الصف الثالث، وتستطيعين إكمال درس الحصة بكل حرية؟ فهو صفٌ يضم كومةً من السلبيات والمخالفات واللامسؤولية، ومزيجًا من التمرد والإخفاقات.

وأخرى كانت تتصل بي هاتفيًا لتسألني عن الأسباب والطرق التي تجعلني متميزةً في التدريس، بحكم تعيينها كمعلمة جديدة في ذلك العام.

وكانت إجابتي تختصرها عبارة جعلتها شعارًا لي:

«الإخلاص قبل الاختصاص».

أخذتُ على نفسي الالتزام بها في أداء رسالتي؛ لأن رسالتي لم تكن محصورةً في التعليم فقط، بل كانت تحمل بين جوانبها كنزًا مفقودًا لم يدركه كثير من المربين؛ لأنهم لم يدركوا عظمة الرسالة التي يحملونها على عواتقهم.

فالطالب يقضي مع معلمه ساعاتٍ طويلة من يومه، قد تصل إلى سبع ساعات، أي ما يقارب ١١٢٠ ساعة في العام الدراسي؛ وهي مساحة كبيرة من عمر الإنسان، يمكن أن تترك أثرًا عميقًا في شخصيته.

إن شعور المعلم بقيمته، وشعوره بالأمن واحترام الذات، ينتقل منه إلى طلابه، وينعكس في اتجاهاتهم وسلوكهم دون أن يشعروا بذلك.

فعلاقة المعلم بطلابه علاقة أبوية، فيها مزيج من الشفقة والبر والمودة، وقد قال رسول الله ﷺ:

«مَن يُحرَمِ الرفقَ يُحرَمِ الخيرَ كلَّه».

والمعلم المثالي ليس ذاك المعلم الذي يجتهد في توصيل معلومات جامدة من بين أسطر الكتاب، وإنما هو المعلم الإنسان، الحريص على أن يكون أثره في الناس حميدًا باقيًا.

لذلك يتمسك بالقيم الأخلاقية والمثل العليا، ويدعو إليها وينشرها بين طلابه، ويعمل على احترامها وممارستها؛ فالمعلم قدوة للأجيال.

والمعلم الذي يحث طلابه على أهمية الالتزام بالمواعيد والوفاء بها، ثم يحضر إلى دروسه متأخرًا، يمحو بتصرف واحد عشرات الأقوال التي صبّها في آذانهم.

فما نقوله للطلاب مهم، لكن ما يرونه فينا أبلغ أثرًا؛ لأن الطالب يتعلم من سلوك معلمه قبل كلماته، ومن تعامله قبل توجيهاته.

وما أروع أن نسعى إلى التطوير وكنزنا معنا!

لقد ترك لنا رسول الله ﷺ قرآنًا وسنةً يزخران بالقيم التي تبني الإنسان: أدب الاستئذان في الكلام والدخول، والنظافة، واحترام المعلم، والصدق والأمانة، وتحريم الغش وبث الفتنة، وغيرها من المبادئ التي تصنع إنسانًا صالحًا نافعًا لنفسه ومجتمعه.

أيها المعلم…

استشعر عظمة الرسالة التي تحملها. فطلابك لا يحتاجون منك المعرفة وحدها، بل يحتاجون إلى قدوة يرون فيها ما تدعوهم إليه.

ازرع فيهم الصدق، والأمانة، والاحترام، والالتزام، وحب العلم، وتحمل المسؤولية.

وتذكر أن علماء التاريخ وقادة الفكر وأصحاب الإنجازات خرج كثير منهم من تحت أيدي المعلمين.

فما أجمل أن يكون أثرنا في طلابنا أكبر من حدود الكتاب والمنهج، وأن نستطيع أن نناديهم:

أيها الصادق!

أيها الأمين!

أيها الملتزم!

أيها المؤدب!

فقد ينسى الطالب بعض ما علّمته من معلومات، لكنه لن ينسى بسهولة كيف عاملته، وكيف جعلته يشعر بقيمته، وما القيم التي رآها متجسدةً أمامه.

فالكنز المفقود ليس في كثرة ما نعلّم، وإنما في قيمة الأثر الذي نتركه في الإنسان.

ومع بداية عامٍ دراسي جديد، لعلنا نستحضر هذا الكنز، ونؤدي رسالتنا بإخلاص، ونجعل من كل حصة فرصةً لبناء إنسان قبل أن تكون فرصةً لإنهاء درس.

الإخلاص قبل الاختصاص…

والقدوة قبل الكلمات…

وبناء الإنسان قبل بناء المعرفة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights