قصص وروايات

“فاكهة المساء”

سليمة الغيلاني

كان يا ما كان… بين الأزقة والأزقة، والظلام الدامس، وليلٍ بارد، وطبعًا في ذاك المساء !!!!!

نساءٌ غطّى مساءَهُنَّ الليل، وبعد أن نام أبناؤهن، وصار الآباءُ بدل الأمهات، فبعد نهايةَ يومٍ طويلٍ يكون الليل لهم استراحةَ محارب….

خرجتِ النساءُ. تُسمع حَسيسُ خطواتهن في الدروب، كلُّ مجموعةٍ تمضي إلى حيث تحب، فالقدم تسير نحو القلوب، منسابةً إليها ومقبلةً عليها.

يلتففن حول أحد الحُصُر في أحواش البيوت الكبيرة، حيث تستقر النساء الأكبر سنًّا.

بين حديثٍ وحديث، وأخبارٍ وحكايات، والكثيرِ من الراحة والانسجام؛ فالقلوب، كما قلنا، تلتفُّ حيث تحب، بلا كدرٍ ولا إكراه، وتغييرُ الحصير ما أسهلَه.

في ذلك اليوم، كانت أمُّ جمعة وأمُّ خميس تتسارَّان، وتتواكزان بالكوع في غشاوة الليل، أما صديقاتُهن فلم ينتبهنَّ لذلك السرِّ المخفي…

عند الرجوع، استمرَّ التهامس، حتى إنَّ جارتهن أمَّ سالم علمت أن هناك سَرِيَّةً ليليةً غدًا، _خُطَّ عنوانُها: أم جمعة وأم خميس…_

صمتت، ثم أردفت حديثها مع سيرها المتعب إلى بيتها، ولسان حالها يردد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

*الهامش:*
السَّرِيَّة: تُستعمل محليًّا بمعنى موعد خروجٍ في المساء….

*الجزء الأول*

*في المساء الثاني…*

تدثَّرت بعضُ النساء بشادرٍ ثقيل، فبرودةُ الجو، ولا سيما في الأحواش الواسعة، كانت تقصم ظهر المسمار.

وما إن أنمن الأطفال، وأغلقن الأبواب، واطمأنت القلوب، حتى اتسعت الصدور، وشُغفت بلقاءٍ طال انتظاره؛ حديثُ الليل السرمدي، بلا تبعاتٍ ولا مسؤوليات. فقد انتهى اليوم، ولله الحمد، بعد طول عناء.

افترشنا الحصير، ومنهن من جاءت بخبيئةٍ من العشاء، يلتففن حولها مع أحاديث المساء.

أما أم خميس وأم جمعة، فكان حديثهما مختلفًا تمامًا…

كانتا تسيران مع مجموعة النساء نحو البيت الكبير، مقر قيادة النساء، حتى إذا بلغنا أحد الأزقة، جرَّتا أقدامهما مسرعتين إلى زقاقٍ آخر. ولأن الليل كان قد أرخى سدوله، لم ينتبه أحد لاختفائهما أثناء المسير.

ومع هذا الثنائي المرح، كان غيابهما يُلاحظ سريعًا من أي ساحةٍ أو مجلس.

هناك، من بعيد، كانتا تجران أقدامهما نحو نادٍ ازدحم بالناس. فقد سمعتا أن مسرحيةً عظيمة ستُقام لأول مرة.

لم تستأذن أم جمعة والدتها، فهي أمٌّ مطلقة منذ عام، أما أم خميس، فهي أمٌّ لخمسة من الأبناء، ومع ذلك لم تغادر الفكاهة روحها، فسبحان من يقسم أرزاق النفوس.

وبعد طول المسير، بدأ شيءٌ من الخوف يدب في القلوب.

قالت أم جمعة:
“طال الطريق، واشتد الظلام… ما رأيك أن نرجع؟”

ابتسمت أم خميس وقالت:
“لم يبقَ إلا القليل، وإن لم تعجبنا المسرحية عدنا سريعًا، وسنكون وسط الحصير قبل أن يلحظ أحد غيابنا.”

لكنهما لم تعلما أن أخواتهما قد أنكرن وجودهما منذ وقتٍ طويل، وبدأن يتساءلن عن مكانهما.

فُتح الباب…

وشدَّت الكراسي أنظارهما. كانتا كالنقطتين السوداوين بين صفوف الرجال، غريبتين في ذلك المساء.

جلستا في آخر الرواق.

فُتحت الستارة، وأُغلقت الأبواب، واشتدت عتمة المكان.

هناك، انخفض الهواء في صدري أم جمعة وأم خميس، ولسان حالهما كلسان حال أم سالم بالأمس:

كيف بلغت بنا الجرأة أن نكون بين هذه الجموع من الرجال؟

وفي لحظةٍ واحدة، اتفقتا على الهرب.

اندفعتا نحو الباب، لكن البواب زجرهما قائلًا:

“ممنوع فتح الأبواب حتى تنتهي المسرحية.”

ساد الصمت.

قالتا بقلوبٍ ترتجف:
“ومتى تنتهي يا بواب؟”

فأجاب ببرود:
“بعد منتصف الليل.”

حينها…
بلغت القلوب الحناجر.

لم تعد هناك أقدامٌ تقوى على الوقوف، ولا قلوبٌ تضخ الدم بهدوء، ولا عقولٌ تحسن التفكير.

لم يبقَ إلا لسانهما يردد:
يا ويلنا… ماذا سنلقى من أم جسور، ومن الزوج العقور؟

ومضت الساعات ثقيلةً كالأعوام.

أما بقية النساء، وفي مقدمتهن أم سالم، فقد أيقنَّ أن أم جمعة وأم خميس تخوضان مغامرةً حمقاء لا تُحمد عقباها.

وكان حسيس النساء في تلك الليلة يملأ الفناء…

حتى القمر، فيما بدا، أعجبه همسهن وبراءة قلوبهن، فزاد ضياءً فوق ضياء.

البيوت أسرار، والليل له أيضًا أسرار…
غاب القمر في تلك الليلة مبكرًا عن سماء الحارة، فقد تجمعت السحب والغمام لتسترا مشهدًا يسأل الله فيه الستر….

فُتحت أبواب المكان، وكانت أول من خرج أم خميس وأم جمعة. _كانت أقدامهما تسيران بلا عقل)_ نحو الحارة، حتى إن لسانيهما عجزا عن تبادل كلمة واحدة…

لم يجرؤ خيالهما على تصور ما هو أسوأ من هجوم رجالٍ لا رحمة في قلوبهم ولا خشية لله في صدورهم….

كان التفكير كله منصبًا على سؤال واحد: كيف سيدخلان بيتيهما دون أن يشعر بهما أحد؟

تسللتا بين الأزقة، زقاقًا بعد زقاق، وكم قطعتا الزقاق حتى جلست أم جمعة على الأرض وهي تقول:
لن أبرح مكاني… لا طاقة لي بمواجهة أمي.
أمسكتها أم خميس من ذراعها، حتى كادت تغرس أظافرها فيه، وقالت:
ما يدريك؟ لعل أمك، وزوجي، قد غلبهما النوم، وهما الآن يحلمان…..

رفعت أم جمعة رأسها إلى السماء، وهمست:
يا رب… لا يشعروا بنا.
ثم التفتت إلى أم خميس _وقالت: توبة.. لن أكون معك ولا عونًا لك مرة أخرى…_
قالت أم خميس: كم وكم مرة قلتِ لي ذلك، وكنتِ معي في كل سَرِيَّة وسَرِيَّة!!

قالت أم خميس وهي تسرع في خطاها:
هيا… لا تدعي الليل ينقضي قبل أن نصل…

وأخيرًا وصلتا إلى رأس الحارة.
هناك، أخذت أم خميس ترتجف كما ترتجف أم جمعة، لكنها تماسكت، وأقنعت نفسها بأن الجميع قد رحلت أرواحهم في ثبات عميق ..

كان باب بيت أم خميس يقابل باب بيت أم جمعة، ولا يفصل بينهما سوى ممر ضيق يعبره المارة…

تبادلتا نظرة صامتة، ثم ودعت كل منهما الأخرى، وتوكلتا على الله.
وفي اللحظة نفسها…
بدأ مشهدان متزامنان….

دخلت أم جمعة، وأمسكت بسلسلة الباب برفق، تتحكم في كل حركة حتى لا يصدر عنها أدنى صوت.
ثم تسللت إلى الداخل، كأنها ظلٌّ يمشي على أطراف أصابعه.
وجدت فراشها مفروشًا أمام فراش أمها، كما اعتادت كل ليلة؛ تفرشه أمها قبل أن تنام، وحين تنتهي من “الرَّمسة”، تعود فتدخل إلى فراشها مباشرة…

فعملت ما اعتادت عليه دائمًا، وتمددت في مكانها، ثم أطلقت زفرة طويلة، وقد ظنت أن الخطر قد انتهى…
وما إن…

وفي البيت المقابل…
دخلت أم خميس هي الأخرى، وأغلقت الباب بالطريقة نفسها، ثم سارت بخطوات حذرة حتى بلغت فراشها.
توسدت وسادتها، وأغمضت عينيها، وقد غمرها شعور عابر بالارتياح، إذ أيقنت أن كل من في البيت قد نام…

ولكن كانت هناك أرواحٌ لم يغمض لها جفن.

هجمت أم أم جمعة على فراش ابنتها وقد أخرجت (الخيزرانة المخبأة تحت الفراش)
وهجم أبو خميس بنفس اللحظة وقد خبأ الخيزرانة تحت الفراش…

فجأة قامت قيامة الحارة بولولة من أم خميس وأم جمعة…
معظم أهل الحارة قاموا وخرجوا إلا أم سالم فهي موقنة أنها إحدى مقامرات جاراتها …….
ابتسمت واتجهت يمينًا وأكملت نومها…

وقف أهل الحارة عند الأبواب، يتبادلون النظرات، وكأنهم يشاهدون فصلًا جديدًا من مسرحية يعرفون أبطالها جيدًا..

_***
*وفي الصباح الباكر جدًا…*
هدأت الدنيا، وما زالت السحب متلبدة في السماء، كأنها لم تفرغ بعد من ستر أسرار الليل….

استيقظت أم جمعة، وكأن شيئًا لم يكن.
كانت يداها تتنقلان بين صحون الأمس تغسلها، وبين إعداد فطور الصباح، تؤدي أعمالها بصمت، بينما كانت آثار الليلة الماضية لا تزال عالقة في قلبها، ترسل سمعها وبصرها للباب تنتظر أي جارة تطمئنها على صديقتها…

أما أم خميس…
فقد غابت عن الأنظار منذ ذلك اليوم.
ولم تمضِ سوى أيام قليلة، حتى رحل أبو خميس بأسرته إلى حارة أخرى، بعيدة عن الحارة التي شهدت كل تلك المغامرات.
وهكذا فك أبو خميس المعضلة وأنهى حكاية الثنائي المرح، بعدما أيقن أن اجتماع أم خميس وأم جمعة لا يورث إلا مغامرة جديدة، ووجعًا جديدًا، وسهرًا جديدًا لأهل الحارة….

ومن ذلك اليوم صارت مغامرات أم خميس وأم جمعة جزءًا لا يتجزأ من فاكهة الرمسات المسائية….

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights