مقالات صحفية

أنابيب.. أنابيب .. حين صارت الطرق شرايين للعبور

   ناصر بن خميس الربيعي

الحرب بعيدةٌ، في ماءٍ لا نراه وعلى أرضٍ لا نمشيها إلا زائرين، لكنّها وصلت إلينا على عجلاتٍ سوداء تهتزّ الأرض تحتها وكأنّها زلزال.

وصلت في هيئة شاحناتٍ لا تنام، تمشي الليل كما تمشي النهار، تحمل على ظهرها بضائع ليست لنا، وأقداراً لا نعرف من كتب فصولها لتسطر حياة من يمشي قربها بخطوطٍ سوداء قاتمة.

أغلقت بعض الموانئ أبوابها واجمة، وارتجفت السفن في المضيق، فبحثت الحاويات عن صدرٍ آمن تهبط فيه،

فكان لعُمان بحر مفتوح على المروءة، وموانئ تعرف معنى الضيف.

ففتحت صحار وصلالة والدقم صدرها وذراعيها، لاحتضان الحاويات العملاقة بحمولتها المغذية للمنطقة.

نزّلت البضائع، ثم قالت لها الطرق: هيا أكملي الطريق براً.

ومن ذلك اليوم تحوّلت طرقنا إلى أنابيب طويلة،

أنابيب تمتد من البحر إلى الحدود، وتنقل خيراً كثيراً… إلى بيوتٍ بعيدة.

أتذكر حين كانت الطرق خفيفة، نخرج من البيت مطمئنين، ونعود لأطفالنا قبل أن يطول الانتظار، فقد

كان الإسفلت يلمع بعد المطر، وكانت الإشارات تضحك لنا. اليوم تغيّر وجه الطريق، صار للزحام لغة جديدة اسمها الشاحنات.

طابور لا ينتهي، وغبار لا ينام، وصوت فرامل يوقظ من كان نائماً. صرنا ننتظر دورنا بعد أن عبر الجميع،

تعب الإسفلت، وتعب الناس. أشعر أننا في أرضنا ضيوف على عجلة الزمن.

نعم، دارت الموانئ، وتحركت الرافعات، ودخلت أموال إلى الخزينة، وسمعنا حديثاً عن نشاط وعن موقع وعن فرص، لكن في زاوية أخرى من الحكاية كان هناك صمت. صمتُ بيتٍ في الباطنة لم يعد ينتظر أحداً،

وصمت أمٍ تنظر إلى الطريق ولا يعود أحد، وصمت شارعٍ شهد ما لا ينبغي أن يشهده شارع.

الحرب لم تكن هي التي أخذتهم، كان العبور المرهق،

فمن يدفع فاتورة الروح؟ ومن يعوّض دمعةً سالت على قارعة الطريق؟ وعند باب غرفة العناية المشددة، الدفاتر تسكت، والقلوب لا تسكت.

لسنا قوماً نغلق الباب في وجه المحتاج، فعُمان تعلمت من البحر أن تكون مرفأ، ومن الجبل أن تكون سنداً،

وكرمها ليس جديداً، لكن الكريم حكيم أيضاً، والحكيم لا يفرش بيته كله للضيوف وينسى أهله.

وهنا نقول: كيف نكون “الممر الآمن” للمنطقة، ونبقى “البيت الآمن” لأبنائنا؟ نريد لطرقنا أن تبقى أنابيب خير،

لكن أنابيب بجدران قوية، وأبواب تُفتح وتُغلق بميزان.

طريق يفهم أن الشاحنة ضيف، وأن المواطن صاحب بيت، وله الحق في طريقه.

نريد وقتاً يحترم نوم الناس، وقانوناً يحمي أرواحهم،

وعائداً لا يذهب كله لترقيع الإسفلت، إنّما يذهب أيضاً لبناء مستقبل ننام فيه قريري العين. عندها سنقول ونحن ننظر إلى قوافل الليل:

مرّ الخير من أرضنا، ولم ننزف، وعبرت البضائع… وبقينا نحن. فالأوطان لا تُقاس بعدد ما مرّ بها، بل بعدد من باتوا فيها مطمئنين.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights