التقاعد ليس نهاية الطريق بل بداية فصل جديد من الحياة (12)
الحكمة… ثمرة سنوات العمر ورصيد المرحلة الجديدة
علي بن مبارك اليعربي
ليس كل ما يتعلمه الإنسان يمكن أن تجده في كتاب، ولا كل ما يحتاجه في حياته يمكن أن يتلقاه في قاعة درس. فهناك معرفة أخرى تتشكل ببطء مع الأيام، تصنعها المواقف، وتصقلها التجارب، وتكشفها السنوات. وحين يصل الإنسان إلى مرحلة التقاعد، يجد بين يديه رصيدًا كبيرًا من هذه المعرفة، قد لا يكون قد أدرك قيمته وهو في زحام العمل وانشغالاته اليومية.
التقاعد في أحد وجوهه فرصة لكي يتوقف الإنسان قليلًا، لا عن الحياة، وإنما عن سرعة الحياة. ففي سنوات الوظيفة تمر الأيام متتابعة بين مسؤوليات ومواعيد وقرارات والتزامات، وقد لا يجد المرء الوقت الكافي ليتأمل ما مر به، أو يراجع ما تعلمه، أو يكتشف أن بعض المواقف التي كانت تبدو عابرة أصبحت مع مرور الزمن دروسًا لا تقدر بثمن.
وهنا تظهر قيمة الحكمة.
فالحكمة ليست مجرد كثرة في العمر، وليست عددًا من السنوات يمكن إضافته إلى السيرة الذاتية، وإنما هي القدرة على فهم الحياة بصورة أكثر هدوءًا، والتمييز بين ما يستحق الاهتمام وما يمكن تجاوزه، ومعرفة متى نتحدث ومتى نصمت، ومتى نتمسك برأينا ومتى نعيد النظر فيه.
وقد يكون هذا واحدًا من أجمل ما تمنحه مرحلة التقاعد للإنسان؛ أن ينتقل من مرحلة كثرة الانشغال إلى مرحلة أوسع للتأمل والمراجعة. ليس المقصود أن يعيش المتقاعد أسير الماضي، أو أن يظل يستعيد تفاصيل سنوات عمله، وإنما أن يحول ما عاشه إلى خبرة نافعة للحاضر والمستقبل.
فالخبرة التي تبقى حبيسة الذاكرة قد تفيد صاحبها، لكنها تصبح أكثر قيمة عندما تتحول إلى معرفة يمكن أن يستفيد منها الآخرون.
كم من موقف مر به الإنسان في عمله وظنه في حينه مشكلة عابرة، ثم اكتشف بعد سنوات أنه كان درسًا مهمًا في التعامل مع الناس؟ وكم من قرار اتخذه في وقت صعب، ثم تعلم منه أن التريث أحيانًا أفضل من سرعة الاستجابة؟ وكم من تجربة مهنية أو اجتماعية كشفت له أن الإنسان لا يقاس بمنصبه، وإنما بما يتركه من أثر في نفوس من حوله؟
هذه الدروس هي جزء من رأس المال الحقيقي الذي يحمله المتقاعد معه بعد مغادرته الوظيفة.
ولهذا فإن المجتمع لا ينبغي أن ينظر إلى المتقاعد باعتباره شخصًا انتهت مهمته بانتهاء خدمته، بل باعتباره صاحب تجربة يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة، إذا وجدت من يستمع إليها ويستفيد منها.
غير أن نقل الحكمة يحتاج إلى أسلوب مختلف. فالأجيال الجديدة لا تحتاج إلى من يحدثها باستمرار عن أن الماضي كان أفضل، ولا إلى من يقارن كل موقف بما كان يحدث في زمنه. الزمن يتغير، ووسائل الحياة تتغير، وطريقة العمل والتواصل والتعلم تتغير، وما كان مناسبًا بالأمس قد لا يكون هو الحل المناسب اليوم.
الحكمة الحقيقية أن يعرف الإنسان كيف يفرق بين القيمة التي ينبغي أن تبقى والوسيلة التي يمكن أن تتغير.
فالصدق لا يتغير، والأمانة لا تتغير، واحترام الإنسان للإنسان لا يتغير، وتحمل المسؤولية لا يتغير، لكن طرق التعبير عن هذه القيم وتطبيقها قد تتطور مع الزمن. ومن هنا يستطيع المتقاعد أن يقدم للأجيال الجديدة شيئًا أكثر أهمية من مجرد استعادة الماضي؛ يستطيع أن يقدم لهم خلاصة التجربة، ويترك لهم حرية اختيار الطريق.
كما أن الحكمة لا تعني أن المتقاعد أصبح يمتلك الإجابات عن كل شيء. على العكس، ربما تكون الحكمة الحقيقية في أن يعترف الإنسان بأنه لا يعرف كل شيء، وأن يستمر في التعلم والاستماع.
فالعالم الذي خرج إليه جيل اليوم مختلف في كثير من تفاصيله عن العالم الذي عاش فيه المتقاعدون شبابهم. التقنية غيرت أساليب التواصل والعمل والتعلم، والمعلومات أصبحت متاحة بصورة لم تكن معروفة من قبل، والأجيال الجديدة تمتلك أدوات ومهارات ربما لم تكن متاحة للأجيال السابقة.
وهذا التغير لا ينبغي أن يكون سببًا للصراع بين الأجيال، بل فرصة للتكامل بينها.
المتقاعد يحمل معه عمق التجربة، والجيل الجديد يحمل أدوات العصر؛ وعندما يلتقي الأمران يمكن أن تتولد معرفة أكثر نضجًا وفائدة. ولذلك فإن أجمل علاقة بين الأجيال ليست علاقة من يعرف ومن لا يعرف، وإنما علاقة يتبادل فيها الجميع ما لديهم من خبرات ومعارف.
وفي مرحلة التقاعد تحديدًا، يصبح الإنسان أكثر قدرة على اكتشاف قيمة التفاصيل الصغيرة التي ربما لم يكن ينتبه إليها من قبل. جلسة هادئة مع الأسرة، حديث مع صديق، قراءة كتاب، كتابة تجربة، لقاء مع شاب يبحث عن نصيحة، أو مشاركة في نشاط مجتمعي؛ كلها مواقف يمكن أن تمنح سنوات العمر معنى جديدًا.
وقد تكون الحكمة في أبسط صورها أن يتعلم الإنسان ألا يجعل كل خلاف معركة، وألا يجعل كل نقد إساءة، وألا يحمل كل موقف أكثر مما يحتمل.
فالسنوات تعلمنا أن بعض الأشياء التي كنا نظنها مهمة جدًا لم تعد كذلك، وأن بعض الأشخاص الذين لم نلتفت إليهم كثيرًا أصبح حضورهم مع مرور الوقت من أثمن ما نملك، وأن الحياة أقصر من أن نهدرها في الخصومات الصغيرة.
لكن التقاعد لا ينبغي أن يتحول إلى مرحلة للوعظ المستمر. فالمتقاعد الذي يريد أن ينقل خبرته للآخرين عليه أولًا أن يجعل حياته نموذجًا لما يقول. فإذا تحدث عن قيمة العمل، فليظل منتجًا بطريقته. وإذا تحدث عن التعلم، فليواصل التعلم. وإذا تحدث عن خدمة المجتمع، فليبحث عن مساحة يستطيع من خلالها أن يقدم شيئًا.
فالناس لا تتأثر بما نقوله فقط، وإنما بما نفعله.
وهنا يمكن للحكمة أن تتحول من كلام إلى سلوك، ومن تجربة شخصية إلى أثر اجتماعي. فقد لا يحتاج شاب إلى محاضرة طويلة كي يتعلم الصبر، وإنما يحتاج إلى شخص أكبر منه يروي له كيف تعامل مع موقف صعب دون أن يفقد اتزانه. وقد لا يحتاج آخر إلى نصائح كثيرة عن النجاح، بقدر حاجته إلى معرفة أن النجاح نفسه مر بمراحل من التعثر والمحاولة والخطأ.
ومن أجمل ما يمكن أن يفعله المتقاعد أن يكتب تجربته، أو يوثق بعض ما عاشه، أو ينقل معرفته إلى من يحتاجها. فالذاكرة الفردية جزء من الذاكرة الاجتماعية، والتجارب التي لا توثق قد تختفي برحيل أصحابها.
إن الإنسان حين يتقاعد لا يترك وراءه سنوات العمل فقط، بل يحمل معه قصة كاملة من العلاقات والمواقف والقرارات والنجاحات والإخفاقات والدروس. وإذا استطاع أن يحول هذه القصة إلى معرفة نافعة، فإنه يكون قد منح تجربته حياة جديدة.
ولعل أجمل ما في الحكمة أنها لا تجعل الإنسان ينظر إلى عمره باعتباره ما مضى، بل باعتباره رصيدًا يمكن استثماره فيما هو آتٍ.
فالتقاعد ليس الوقت الذي يبدأ فيه الإنسان عدّ السنوات المتبقية، وإنما المرحلة التي يستطيع فيها أن يسأل نفسه سؤالًا أكثر أهمية: ماذا سأفعل بكل ما تعلمته؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي.
فمن يكتفي بالحديث عن الماضي يبقى فيه، أما من يستفيد من الماضي فإنه يستخدمه لبناء الحاضر. ومن يرى سنوات عمره عبئًا، قد يشعر بأن التقاعد نهاية، أما من يراها رصيدًا من الخبرة، فسيدرك أن أمامه فرصة جديدة للعطاء.
وفي النهاية، ليست قيمة الإنسان في عدد السنوات التي عاشها، ولا في المناصب التي شغلها، وإنما في مقدار ما استطاع أن يحوله من تلك السنوات إلى معرفة، ومن المعرفة إلى عمل، ومن العمل إلى أثر يبقى بعده.
فالتقاعد قد ينهي علاقة الإنسان بوظيفته، لكنه لا ينهي علاقته بالحياة، والحكمة التي جمعها طوال الطريق ليست ذكرى يحتفظ بها لنفسه، بل أمانة يمكن أن يمنح منها للآخرين.
التقاعد يطوي صفحة الوظيفة، لكنه لا يطوي صفحة الرسالة.



