مقالات صحفية

التخطيط السليم والرؤية المستقبلية أهم مما نعيشه الآن

حمدان بن سعيد العلوي
مدرب مفكر ومحلل إعلامي

القصة من خيال الكاتب، ولكن الحديث من الواقع، وإسقاطاتنا على ما حدث في إحدى الدول بعد سقوطها زمن الربيع العربي، ونضرب الأمثال للفائدة، ونقف صفًا واحدًا لتحقيق رؤيتنا المستقبلية، فالمواطن شريك أساسي في التنمية والاقتصاد، والمقال عام وموجه ليس لبلد بعينه، بل للاستفادة والعبرة، وأن يعي كل فرد مسؤوليته تجاه وطنه، فالوطن هو البيت الكبير، وتحمل المسؤولية أولى وأقوى من أي مصالح شخصية.

كان هناك قريتان متجاورتان؛ قرية بني علي، وشيخها كريم، يصرف لأبناء قبيلته رواتب شهرية عالية، وحوافز ومكافآت غير متوقعة، وتصل ميزانية الصرف إلى مليون دينار. وفي المقابل، كانت قرية بني سالم تصرف لأبناء قبيلتها النصف أو أقل، ولا توجد فيها حوافز ولا مكافآت.

ولكن قرية بني سالم كانت تتميز ببنية أساسية قوية، تضم مباني حديثة، وحدائق، ومستشفيات، ومدارس، وطرقًا جيدة، كما تستورد البضائع من قرى أخرى، ولديها سوق حيوي ونشط.

أما قرية بني علي، فعلى الرغم من الدخل الشهري القوي لأبنائها، لم تكن تمتلك بنية أساسية بمقومات الحياة العصرية؛ فالأبنية قديمة، والشوارع بدائية ومتهالكة، وتكلفة الحياة فيها أغلى مما هو متوقع.

كان أبناء قبيلة بني علي يدرسون، في أغلب الأحيان، في قرية بني سالم، كما يستفيدون من خدماتها الصحية وحدائقها وأسواقها، وهو ما ينعش اقتصاد قرية بني سالم ويرفع من مستوى النشاط الاقتصادي فيها، وينعكس بدوره على أبنائها من خلال ارتفاع القوة الشرائية.

أما قرية بني علي، فكانت تعاني من ضعف القوة الشرائية، رغم أن عدد أفرادها ضعف (أي مثلي) عدد أفراد قرية بني سالم. لكن قرية بني سالم كانت تستفيد من القوة الشرائية لسكان القرى المجاورة، وهو ما جعل اقتصادها أكثر نشاطًا وحيوية.

كان شيخ بني علي يقوم بصرف الرواتب والامتيازات لأبناء قبيلته من دخل بلده، ويضيف من دخله الخاص أحيانًا، الذي يعتمد على تجارته واستثماراته في القرى الأخرى. وعندما يقوم أفراد قبيلته بصرف أموالهم في قرية بني سالم، يزداد الضغط على ميزانية قرية بني علي، بينما يزداد النشاط الاقتصادي في القرية المجاورة.

ومع مرور الوقت، دفع ذلك عددًا من سكان قرية بني علي إلى الانتقال للعيش في قرية بني سالم؛ فهم يتسلمون رواتبهم وامتيازاتهم من قريتهم، ثم يصبون أموالهم في اقتصاد القرية المجاورة. بل إن بعضهم استثمر أمواله في قرية بني سالم، كونها الأكثر نشاطًا وقوة شرائية، ولا تُقارن في ذلك بقريتهم.

وهنا تكمن الفكرة:
الولاء للوطن يبدأ من أعلى الهرم، والصرف على منجزاته أهم من الصرف والبذخ على أفراده. فعندما تتوفر مقومات الحياة ووسائل الجذب، ينتعش الاقتصاد وتستمر الحياة، أما حين تُمنح الأموال للأفراد لضمان كسب الولاء، دون الاهتمام بتطوير البنية الأساسية وتهيئة البيئة المناسبة، فإن البيئة تصبح منفرة، حتى مع توفر السيولة.

فالسيولة وحدها لا تكفي. وهكذا ترحل الأموال لتصب في اقتصادات خارج البلد، كما حدث في إحدى الدول العربية؛ كان حاكمها كريمًا جدًا مع شعبه، يقسم الثروات ويوزع الأموال، لكن الشعب كان يسافر خارج الحدود ليستفيد من خدمات التعليم والصحة والترفيه في دول أخرى، لينعش اقتصاداتها، بينما يترك بلده يعاني ويفتقر إلى مقومات الحياة العصرية. فسقط النظام، وسقطت معه دولة كان من المفترض أن تكون من الدول المتقدمة والعظمى.

إن الوطنية وحب الوطن والولاء للبلد وبناء الأوطان وتهيئة البيئة المحفزة، أفضل وأبقى من الصرف العشوائي. كما أن نشر ثقافة البناء الذاتي لدى المواطن أمر مهم؛ كأن يساهم في بناء وطنه، وأن يستثمر أمواله داخل بلده. فالمواطن شريك، وعليه أن يبادل الكرم الذي يتحصل عليه من وطنه، ويساهم في نمو اقتصاده.

وهذا لا يعني أن نلقي اللوم على المواطن وحده، بل على المختصين أيضًا أن ينظروا إلى ما هو أبعد من ذلك، حتى لا تصاب المؤسسات بالترهل وفقدان السيطرة.

فالحل أحيانًا يكون بأيدينا، لا بيد غيرنا. وبناء أوطاننا يبدأ بكلمة، ورأي، وعمل، وجهاد مستميت لإنقاذ البلد قبل الغرق والسقوط.

وكم من دول عربية سقطت بما يسمى بـ«الربيع العربي» بسبب سوء الإدارة، لا بسبب الفقر؛ فالدول غنية بعقولها، لا بأموالها فقط.

فقد تكون الدولة فقيرة ماديًا، ولكن بسبب التخطيط السليم والرؤية المستقبلية تنتعش اقتصاداتها، وتصبح بيئة محفزة للاستثمار، ويعود ذلك بالنفع على الوطن والمواطن. فالأوطان لا تبنى بالأموال وحدها، وإنما تُبنى بالرؤية، والتخطيط، والعمل، وحسن الإدارة، وتهيئة البيئة التي تجعل المواطن مستفيدًا من وطنه، ومستثمرًا فيه، وشريكًا حقيقيًا في بنائه.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights