مقالات صحفية

اللغة العربية وعاء العقل البشري

 اسماعيل بن حبيب الشكيلي

جاء الإسلام الحنيف دينًا شاملًا للبشرية جمعاء، قال تعالى: “وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا” سبأ: 28، وتدل النصوص الكثيرة على أن هذا الدين رسالة موجهة إلى الناس كافة، فالرسالة المحمدية خاتمة الرسالات، وهي الرسالة الوحيدة الصالحة لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة، وكان القرآن الكريم كتاب هذه الرسالة الخالدة التي نزلت باللغة العربية.

ولم يكن نزول القرآن الكريم باللغة العربية أمرًا عارضًا أو مجرد مصادفة، بل لأنها اللغة الأقدر على احتواء معاني الوحي وألفاظه، والأقرب إلى طبيعة الفهم البشري. فالعربية بما تمتلكه من دقة في التراكيب وثراء في الأساليب، قادرة على إيصال المعاني إلى العقل بأوضح صورة وأقصر عبارة، ولهذا أدرك كثير ممن تعلموا العربية أو أتقنوا أكثر من لغة من ضمنها العربية أن هذه اللغة تتميز بقدرتها الفريدة على التعبير الدقيق والعميق.

فكثير من اللغات تحمل في ألفاظها وأساليبها معاني يصعب على غير أهلها فهمها، بل إن بعض المعاني قد تغيب حتى عن أبناء تلك اللغة أنفسهم مع تغير الزمن وتوالي الأجيال، أما العربية فإن من يتعلمها يستطيع أن يفهم نصًا قرآنيًا نزل قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة؛ ذلك لأنها لغة تناسب العقل البشري في فهمه للفظ الذي يوصله إلى إدراك المعنى.

إن العقل يبني فكرة من خلال فهمه للغة، فالقراءة تمنح عقل الإنسان القدرة على تحويل الألفاظ إلى معانٍ والمعنى إلى فكرة والفكرة إلى منطقية تقبل أو ترفض لديه. واللغة المناسبة للعقل ليست تلك اللغة التي تكثر كلماتها، أو تستخدم ألفاظًا سهلة إنما اللغة الدقيقة التي توصل المعنى والفكرة بأقصر الألفاظ وأوضحها دلالة، فكلما اختصرت اللغة العبارة ووسعت المعنى ازداد نشاط العقل في استنباط المقصود وفهم العلاقات بين المعاني، وبدأ يجمع تلك المعاني ليخرج بمفهوم لمنطق ما أو فكرة.

وما يميز اللغة العربية أن بلاغتها وأساليبها تستطيع أن تخاطب العقل لتوصله لهذه المرحلة الدقيقة من التفكير والفهم، وعند النظر لآيات القرآن ندرك هذا المقصد. قال تعالى: “الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارًا فإذا أنتم منه توقدون” يس: 80. الآية السابقة لا تذكر جميع المراحل التي يتحول فيها الشجر إلى وقود، لكنها تختصر ذلك كله في صورة لغوية موجزة، فتنتقل بالعقل مباشرة من الشجر الأخضر إلى النار، وتترك له مهمة إدراك المراحل والمعاني التي سيصل إليها من خلال فهمه لتلك الألفاظ، وهذا يحدث لكل البشر بمجرد تعلمهم للعربية لأن هذه اللغة تتكيف وتتناسب مع العقل البشري فبمجرد تعلم اللغة وقراءة الآية سيصل للمعنى. وهذا الأسلوب في الخطاب يفتح أمام العقل مساحة واسعة للتفكير والتأمل.

ولم تخاطب العربية العقل وحده، بل خاطبت المشاعر والأحاسيس أيضًا، قال تعالى: “ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين” الحجر: 97-98، فالآية تصور الأثر النفسي العميق للكلمات في النفس البشرية، والأثر هذا يقاس بقلب واعٍ للفظ والمعنى، ولم أجد لغة وصلت لهذا المستوى الحواري مع القلب سوى اللغة العربية. وفي قوله تعالى: “فأوجس في نفسه خيفة موسى” طه: 67 تتجلى دقة اللغة فتحريك مواقع الألفاظ يخلق معنى دقيقًا جدًا يخرج الأسلوب من المعنى البسيط إلى معنى نفسيًا آخر بدقة متناهية، فالخوف هنا لم يكن ظاهرًا للناس، بل كان شعورًا داخليًا خفيًا في نفس موسى عليه السلام، وقد أوصل ترتيب الكلمات هذا المعنى النفسي بدقة بالغة، حتى بدا وكأن اللغة نفسها ترسم حركة الشعور داخل النفس.

ومن خلال هذه النماذج وغيرها ندرك أن اللغة العربية لغة تخاطب راقية متناسبة مع التفكير العقلي البشري، فهي تمتلك قدرة فريدة على التعبير عن الفكر والإحساس بأقصر الألفاظ وأدق المعاني، ولهذا يجد كثير من غير العرب، عندما يتعلمون العربية، أنهم أمام لغة قادرة على احتواء أفكارهم ومشاعرهم بصورة لا تكاد تضاهيها لغة أخرى.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights