مقالات صحفية

عامك الدراسي فرصة لبناء نفسك _رسالة إلى الطالب من بداية العام حتى نهايته_

علي بن مبارك بن خلفان اليعربي

مع بداية كل عام دراسي، لا يعود الطالب إلى مدرسته بحقيبته وكتبه فقط، بل يعود ومعه أحلامه وتطلعاته، وتجارب العام الماضي، وما تركته فيه من نجاحات أو تعثرات. وقد يبدأ بعض الطلاب عامهم بحماس كبير، بينما يحتاج آخرون إلى وقت حتى يستعيدوا إيقاع الدراسة ويتأقلموا مع نظامها ومسؤولياتها، وقد يدخل بعضهم عامًا جديدًا وهو يحمل في داخله شيئًا من القلق أو الخوف من تكرار تجربة لم تكن كما أراد.
وهذا كله طبيعي؛ فالبدايات الجديدة لا تكون متشابهة عند الجميع، والطلاب ليسوا نسخًا متطابقة، لكل واحد منهم شخصيته وقدراته واهتماماته وظروفه وطريقته الخاصة في التعلم والنمو.
ولهذا، يا بني، لا تجعل أول أيامك الدراسية سباقًا مع الآخرين، ولا تشغل نفسك منذ البداية بمن سبقك ومن تفوق عليك. ابدأ من نفسك، ومن موقعك، ومن قدراتك، وانظر إلى العام الجديد باعتباره فرصة لتصبح أفضل مما كنت عليه في العام السابق.
فالمدرسة ليست مكانًا تذهب إليه كل صباح من أجل حضور الحصص فقط، وليست الكتب والدفاتر والاختبارات هي كل ما فيها. إنها بيئة تتعلم فيها كيف تفكر، وكيف تتعامل مع الآخرين، وكيف تتحمل مسؤوليتك، وكيف تكتشف قدراتك، وكيف تواجه الصعوبات، وكيف تتعامل مع النجاح والتعثر.
وقد تحتاج في بداية العام إلى بعض الوقت حتى تتأقلم مع معلميك وزملائك ونظام المدرسة وجدولك الدراسي. فلا تقلق إن شعرت بشيء من الارتباك في الأيام الأولى؛ فكل بيئة جديدة تحتاج إلى وقت حتى تصبح مألوفة. المهم أن تمنح نفسك فرصة للتجربة، وأن تكون إيجابيًا في تعاملك، وأن تحرص على أن تبني لنفسك مكانًا طيبًا بين زملائك ومعلميك.
ومن أهم ما يساعدك على ذلك أن تنظر إلى علاقتك بمعلميك باعتبارها جزءًا أساسيًا من رحلتك التعليمية. ابني الطالب، اجعل هذه العلاقة قائمة على الاحترام والثقة والتفاعل؛ فالمعلم ليس مجرد شخص يقف أمامك ليشرح الدرس، وإنما شريك في رحلة التعلم، يحمل خبرة يمكن أن تختصر عليك كثيرًا من الطريق.
استمع إليه، واسأله عندما لا تفهم، وناقشه بأدب عندما تريد الاستفسار، ولا تجعل الخجل يمنعك من طلب المساعدة. فالطالب الذي يسأل عندما لا يفهم يفتح لنفسه بابًا جديدًا للتعلم، بينما قد يظل من يخفي عدم فهمه خوفًا من نظرة الآخرين عالقًا في النقطة نفسها.
وتذكر أن الخطأ داخل الصف ليس عيبًا. قد تخطئ في إجابة، وقد تحاول ولا تنجح من المرة الأولى، وقد تطرح فكرة تحتاج إلى تصحيح. لا تجعل ذلك يمنعك من المشاركة؛ فالتعلم لا يحدث دائمًا من الإجابات الصحيحة، وإنما يحدث كثيرًا من المحاولة والخطأ والتصحيح.
وحين تتفاعل في الصف، لا تكن مجرد مستمع ينتظر انتهاء الحصة، بل حاول أن تكون حاضرًا بعقلك كما أنت حاضر بجسدك. أنصت، وفكر، واسأل، ودوّن ما تراه مهمًا، وحاول أن تربط ما تتعلمه بما تعرفه من قبل وبما تراه في حياتك.
فالمعلومة التي تفهم معناها وتعرف كيف تستخدمها، أبقى أثرًا من معلومة تحفظها من أجل الاختبار ثم تنساها بعده. والتعليم الحقيقي لا يقاس فقط بكمية ما تستطيع أن تتذكره، وإنما بما تستطيع أن تفهمه وتوظفه وتبني عليه.
وكما أن المعلم جزء من تجربتك، فإن زملاءك أيضًا يشكلون جانبًا مهمًا من حياتك المدرسية. ولذلك أحسن اختيار من تصاحب؛ فالصداقة الحقيقية لا تقاس بعدد الساعات التي تقضيها مع الآخرين، وإنما بالأثر الذي يتركونه فيك.
اقترب ممن يشجعك على الخير والاجتهاد، ويحترم طموحك، ويعينك عندما تحتاج، ولا يجعلك تشعر بأن النجاح يعني أن تتخلى عن مبادئك. وفي المقابل، كن أنت أيضًا الصديق الذي يترك أثرًا طيبًا فيمن حوله، فالعلاقات المدرسية ليست مجرد وقت نقضيه معًا، وإنما تجارب نتعلم من خلالها كيف نحترم الآخرين ونتعاون معهم ونختلف معهم دون أن نخسرهم.
ولا تنظر إلى تفوق زميلك باعتباره تهديدًا لك. قد يكون زميلك متميزًا في مادة، بينما تتميز أنت في مجال آخر، وقد يمتلك أحدكم موهبة لم يكتشفها الآخر بعد. فالنجاح ليس قالبًا واحدًا، والطلاب لا يسيرون بالسرعة نفسها في كل المجالات.
ومن هنا، لا تجعل المقارنة بالآخرين تسرق منك ثقتك بنفسك. انظر إلى تقدمك أنت، واسأل نفسك بين حين وآخر: ماذا تعلمت؟ ماذا تحسنت فيه؟ وما الذي لا يزال يحتاج مني إلى جهد؟
إن أفضل منافس لك هو أنت بالأمس.
ومع مرور العام الدراسي، ستكتشف أن كثيرًا من النجاح يعتمد على أمور بسيطة تتكرر كل يوم: أن تنجز مهمتك في وقتها، وأن تراجع درسك قبل أن يتراكم، وأن تنظم وقتك، وأن تعرف أولوياتك، وأن تمنح نفسك قدرًا كافيًا من النوم والراحة.
ليس المطلوب أن تقضي يومك كله في الدراسة، وإنما أن تتعلم كيف تدير وقتك. فالمهمة الصغيرة التي تنجزها اليوم قد توفر عليك ساعات من الضغط غدًا، والدرس الذي تراجعه في وقته قد يصبح أسهل بكثير عندما يحين موعد الاختبار.
ولا تنتظر دائمًا أن تأتيك الرغبة في الدراسة حتى تبدأ؛ ففي أحيان كثيرة يأتي الحماس بعد أن يبدأ الإنسان في الإنجاز. ابدأ بخطوة صغيرة، ثم أخرى، وستكتشف أن ما كنت تراه صعبًا يمكن التعامل معه عندما تقسمه إلى أجزاء.
وقد تمر عليك أيام تشعر فيها بالملل أو التعب أو فقدان الدافعية، وهذا طبيعي. المهم ألا تجعل الشعور المؤقت قرارًا دائمًا. وإذا وجدت نفسك متأخرًا في مادة معينة، فلا تهرب منها، بل حاول أن تعرف السبب. ربما تحتاج إلى مراجعة أساسيات سابقة، أو إلى طريقة أخرى في الفهم، أو إلى مساعدة من معلمك أو أسرتك أو أحد زملائك.
لا تقل: «أنا لا أفهم» وكأن الأمر انتهى، بل قل: «لم أفهم بعد، وسأبحث عن الطريقة التي تساعدني على الفهم». فكلمة «بعد» تترك أمامك بابًا مفتوحًا، وتذكّرك بأن ما لم تستطع الوصول إليه اليوم قد تصل إليه غدًا بالمحاولة والتدريب والمساعدة.
ولا تجعل الدرجات وحدها هي المقياس الذي تحكم به على نفسك. نعم، اجتهد واطمح إلى التفوق، فالنجاح الدراسي مهم، لكنه ليس كل شيء. قد تحصل على درجة أقل مما توقعت، وقد تخفق في اختبار، وقد تشعر بخيبة أمل. لا بأس أن تحزن، لكن لا تجعل الحزن يقنعك بأنك عاجز.
فالنتيجة تخبرك عن أدائك في اختبار أو مرحلة معينة، لكنها لا تخبرك بكل ما تستطيع أن تكونه. ولهذا، بعد كل نتيجة، حاول أن تنتقل من سؤال «كم حصلت؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ماذا تعلمت من هذه النتيجة؟»
أين أخطأت؟ وما الذي أستطيع تغييره؟ وكيف يمكن أن أستفيد من هذه التجربة؟
فالتعثر الذي نتعلم منه قد يكون أكثر فائدة من نجاح لم نتعلم من ورائه شيئًا.
ولا تجعل حياتك المدرسية محصورة داخل الصف. شارك في الأنشطة والمسابقات والبرامج المدرسية متى وجدت فيها ما يناسبك. فقد تكتشف في النشاط الرياضي قدرة على القيادة، أو في الإذاعة المدرسية موهبة في الإلقاء، أو في العمل التطوعي روحًا تحب خدمة الآخرين، أو في الإعلام والتقنية والتصميم مجالًا لم تكن تعرف أنه يناسبك.
إن كثيرًا من القدرات لا تظهر لنا ونحن نفكر فيها، وإنما تظهر عندما نجرب. فلا تخشَ من تجربة مجال جديد لمجرد أنك لم تجربه من قبل؛ فقد تكون تلك التجربة هي الباب الذي تكتشف من خلاله جانبًا جديدًا من نفسك.
ومع مشاركتك في الحياة المدرسية، ستتعلم أيضًا كيف تعمل مع الآخرين، وكيف تتحمل المسؤولية، وكيف تتحدث أمام الناس، وكيف تقود وتستمع، وكيف تختلف مع غيرك دون أن تخسره. وهذه مهارات لن تجدها كلها في صفحات الكتاب، لكنها قد تكون من أهم ما تحمله معك بعد أن تغادر المدرسة.
وفي الطريق، قد تواجه مشكلة أو موقفًا تشعر أنك لا تستطيع التعامل معه وحدك. ابني الطالب، لا تحمل الأمر وحدك إذا كنت تحتاج إلى من يساعدك. تحدث إلى معلم تثق به، أو إلى ولي أمرك، أو إلى الأخصائي الاجتماعي، أو إلى من تستطيع اللجوء إليه في المدرسة.
طلب المساعدة ليس ضعفًا، بل إن القوة الحقيقية أن تعرف متى تحتاج إلى المساعدة، وأن تبحث عنها بالطريقة الصحيحة.
ومع اقتراب الاختبارات، لا تسمح للخوف أن يحول أيامك إلى توتر مستمر. الاستعداد المبكر يمنحك هدوءًا أكبر، وتنظيم وقتك يساعدك على التعامل مع المواد بصورة أفضل، والنوم والراحة جزء من استعدادك، وليسا وقتًا ضائعًا.
اذهب إلى الاختبار وأنت تعرف أنك بذلت ما تستطيع. فالاختبار يقيس جانبًا من تعلمك، لكنه لا يختصر شخصيتك ولا يحدد قيمتك.
وعندما تظهر النتائج، سواء جاءت كما تتمنى أو خالفت توقعاتك، تعامل معها بوعي. إذا نجحت، فاحمد الله واستفد من أسباب نجاحك، ولا تجعل التفوق سببًا للتعالي على الآخرين. وإذا تعثرت، فلا تجعل النتيجة نهاية الطريق؛ فقد يكون التعثر بداية لاكتشاف طريقة أفضل للتعلم.
ثم يأتي آخر العام، وتأتي معه فرصة مختلفة؛ فرصة لأن تنظر إلى الرحلة كاملة، لا إلى الدرجات وحدها.
اجلس مع نفسك قليلًا، وتأمل ما الذي تغير فيك منذ بداية العام. هل أصبحت أكثر التزامًا؟ هل تعلمت كيف تنظم وقتك؟ هل أصبحت أكثر جرأة في السؤال؟ هل اكتشفت موهبة جديدة؟ هل تعلمت كيف تتعامل مع اختلاف الآخرين؟ هل أصبحت أكثر قدرة على تحمل مسؤولياتك؟ وهل أصبحت تعرف نفسك أكثر؟
قد تكتشف أن أعظم ما حققته خلال العام ليس درجة ارتفعت، وإنما عادة جيدة اكتسبتها، أو خوفًا تجاوزته، أو موقفًا تعلمت منه، أو قدرة اكتشفتها في نفسك. وهذه كلها نجاحات حقيقية، حتى وإن لم تظهر في كشف الدرجات.
ابني الطالب، لا تدخل عامك الدراسي وأنت تفكر فقط في كيف تصبح الأول على الآخرين؛ فكر أيضًا في كيف تصبح أفضل نسخة من نفسك. اجتهد في دراستك، واحترم معلميك، وأحسن اختيار أصدقائك، وشارك في الحياة المدرسية، ونظم وقتك، واطلب المساعدة عندما تحتاج إليها، وتعلم من أخطائك، ولا تسمح لتعثر عابر أن يقنعك بأنك لا تستطيع.
وتذكر أن لكل إنسان طريقته الخاصة في النمو. قد يتقدم غيرك قبلك في جانب، وقد تتقدم أنت في جانب آخر. لا بأس؛ المهم ألا تتوقف عن السير.
فالمستقبل لا يصنعه يوم واحد، ولا تصنعه درجة واحدة، وإنما تصنعه عادات صغيرة وقرارات صحيحة تتكرر كل يوم. والمدرسة التي تدخلها في بداية العام ليست بالضرورة المدرسة التي تغادرها في نهايته؛ لأنك أنت أيضًا يجب أن تكون قد تغيرت.
ينبغي أن تخرج منها أكثر علمًا، وأكثر وعيًا، وأكثر قدرة على التواصل، وأكثر تحملًا للمسؤولية، وأكثر معرفة بنفسك وقدراتك. فإذا حدث ذلك، فقد حققت من النجاح ما هو أبعد من الدرجات.
ابني الطالب، اجعل عامك الدراسي رحلة لبناء نفسك، لا مجرد رحلة للحصول على شهادة.
ابدأه بثقة، وعشه بوعي، واجتهد في أيامه، وتعلم من مواقفه، واستفد من معلميك، واحترم زملاءك، واستمع إلى أسرتك، واكتشف قدراتك، ولا تخف من المحاولة.
ثم عندما تصل إلى نهاية العام، انظر إلى نفسك، وتأمل المسافة التي قطعتها، وما تعلمته، وما تجاوزته، وما أصبحت عليه، وقل: لقد أصبحت اليوم أفضل مما كنت عليه عندما بدأت.
وهذه وحدها بداية عظيمة لطريق النجاح.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights