مقالات صحفية

تحديات الاعتماد على العمالة الوافدة في التنمية الإدارية بسلطنة عُمان خلال فترة السبعينات من القرن الماضي .. الجزء (1)

  سعيد بن خميس الهنداسي

من الواضح أن سلطنة عُمان، خلال عقد السبعينات من القرن الماضي، اعتمدت بدرجة كبيرة على العمالة الوافدة في عدد من القطاعات الإدارية والفنية والعسكرية وغيرها، شأنها في ذلك شأن العديد من دول الخليج في تلك المرحلة، وقد فرضت ظروف بناء الدولة الحديثة الاستعانة بخبرات أجنبية متعددة من دول صديقة، كبريطانيا والهند وباكستان وإيران، إضافة إلى بعض الدول العربية، كلٌّ بحسب تخصصه والدور المنوط به.

ومن الإنصاف، عند تناول هذه المرحلة، ألا نتجاهل الإسهامات التي قدمتها تلك العمالة في مسيرة بناء الدولة العُمانية الحديثة، فقد أسهم كثير من أبنائها في تأسيس مؤسسات الدولة، وتطوير قطاعاتها الإدارية والفنية والعسكرية، والاقتصادية والتعليمية والمشاركة في بناء البنية الأساسية، ولذلك فإن الحديث عن التحديات المرتبطة بالعمالة الوافدة لا يعني بأي حال من الأحوال إنكار ما قدمته من جهود وإسهامات، أو التقليل من شأن أصحاب الكفاءة الذين عملوا بإخلاص في خدمة عُمان.

غير أن الاعتماد الواسع على الخبرات الوافدة أفرز في المقابل عددًا من التحديات الإدارية، التي كان لها أثر في مسار التنمية، ولا سيما فيما يتعلق بنقل المعرفة، وتأهيل الكوادر الوطنية، وإتاحة الفرص أمام المواطن العُماني لتولي مسؤولياته في مؤسسات دولته.

وهنا نعرج على عمالة تلك الدول بشكل مفصل، مسلطين الضوء على الدور الذي لعبته كل عمالة او كل دولة على حدة، فبالنسبة إلى العمالة الباكستانية (البلوش)، فقد شاركت بكفاءة في الحروب التي فُرضت على البلاد خلال تلك الفترة، ثم واصلت دورها في حفظ الأمن، ولا تزال تحظى بالثقة وتمارس دورًا في القطاع العسكري حتى وقتنا الحاضر، وإن كان بصورة رمزية، ومن الإنصاف القول إن هذه الفئة لم تفرض رأيًا أو أسلوبًا خاصًا بها، ولم يكن لها دور سلبي في مسار التنمية الحديثة، بل أدت المهام التي أُسندت إليها في إطار الظروف التي كانت تمر بها البلاد آنذاك.

أما العمالة الإيرانية، فقد أسهمت بشكل كبير في إخماد الثورات في جنوب البلاد، وبعد انتهاء دورها العسكري، واصل غالبية أفراد الجالية الإيرانية إسهامهم في المجال التجاري، وكان لهم حضور بارز في النشاط الاقتصادي، ولا يزال هذا الدور قائمًا حتى وقتنا الحاضر.

أما العمالة البريطانية، فقد تمثل دورها بصورة أساسية في الجانبين الإداري والفني، وأسهمت في تأسيس قواعد إدارية وبنية تحتية قوية، لا تزال آثار ذلك واضحة في عدد من مؤسسات الدولة حتى اليوم، رغم أن وجودها المباشر انتهى منذ فترة طويلة.

وشاركت الجالية العربية بدور مهم من خلال نفل المعرفة وتنوير المجتمع وتعليم ابناء البلد وتدريسهم مختلف المواد العلمية والتربوية.

كما أسهمت الجالية الهندية بصورة كبيرة في إنعاش الحركة التجارية في البلاد خلال تلك المرحلة، وأسهم بعض أفرادها كذلك في الجانب التعليمي، من خلال الاستعانة بهم في تدريس اللغة الإنجليزية.

إلا أن الصورة لم تكن خالية من التحديات، فقد برزت في بعض المواقع مظاهر ضعف في نقل المعرفة الإدارية، وعدم تقديم التسهيلات الكافية للمواطن، إلى جانب تركّز الخبرات والمعارف الإدارية لدى موظفين وافدين بعينهم، من دون وجود خطط واضحة وفاعلة لإحلال الكوادر الوطنية وتوطين المعرفة بصورة تدريجية ومدروسة، وقد أدى ذلك، في بعض الحالات إلى استمرار الاعتماد على الخبرات الخارجية، بدلًا من أن تكون الاستعانة بها مرحلة انتقالية تهدف في الأساس إلى تدريب المواطن العُماني وتأهيله وتسليمه زمام المسؤولية في وطنه.

كما أن اختلاف الخلفيات الثقافية والإدارية والتنظيمية أدى أحيانًا إلى تبني أساليب إدارية لم تكن تنسجم بصورة كاملة مع البيئة المؤسسية والاجتماعية العُمانية في بعض الحالات، وقلّص فرص التدريب والترقي أمام بعض الكوادر الوطنية، وأبطأ من عملية بناء القيادات الإدارية العُمانية.

فالاستعانة بالخبرات الخارجية بلا شك هي ضرورة في مراحل بناء الدول، لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول هذه الضرورة المؤقتة إلى اعتماد دائم، أو عندما تصبح الخبرة الوافدة بديلًا عن بناء الخبرة الوطنية، كما أن الاعتماد المفرط على بعض أنواع العمالة الوافدة أفرغ سياسات التعمين، في بعض المواقع، من مضمونها الحقيقي، وحوّلها من مشروع تنموي يهدف إلى بناء الإنسان العُماني وتمكينه، إلى مجرد التزام شكلي.

ومن هنا، فإن القضية لم تكن في وجود العامل الوافد بحد ذاته، وإنما في كيفية إدارة وجوده، ومدى الاستفادة من خبرته في بناء الإنسان العُماني، وتحويل الخبرة الوافدة إلى معرفة وطنية مستدامة، وهذا ليس مجرد رأي أو قراءة نظرية مني، وإنما هو أمر عايشته شخصيًا في مرحلة مبكرة من حياتي، وسأستشهد عليه من خلال ثلاث تجارب شخصية مررت بها، كانت أولها مع تجربتي للالتحاق بمدرسة عسكرية ببلدي لم يكتب لها النجاح، ثم تجربتي الغنية بالخبرة من خلال التحاقي العمل بدولة الإمارات، ثم انتقالي للعمل بسلطنة عمان بسهولة بعد اكتسابي الخبرة والاسس والمفاهيم التي ساعدت في تنمية قدراتي العملية والعلمية.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights