أشياء ماتت ولم تُدفن
يوسف بن سالم الحميدي
أصعب ما يمكن أن يفعله إنسان بقلب أحبّه أن يجعله يقف أمامه ذات يوم ولا يعرف كيف يخاطبه
ليس لأن الكلمات انتهت بل لأن مكانة الشخص تغيرت دون أن نفهم متى حدث ذلك
كان بالأمس قريبًا من نبضنا حتى أننا لم نكن نحتاج إلى أن نقول شيئًا ليعرف ما يؤلمنا وكان وجوده وحده كافيًا ليجعل العالم أقل قسوة ثم حدث شيء لا نعرف كيف نصفه فتغيرت المسافات وتبدلت النبرات وأصبحنا نبحث عن ذلك الشخص الذي عرفناه ذات يوم فلا نجده
ما يؤلم ليس أن يبتعد من نحب بل أن نشعر أنه ابتعد وهو يعلم أن ابتعاده سيكسر شيئًا فينا.
مؤلم أن تمنح إنسانًا قلبك دون حساب ثم تكتشف أنك كنت وحدك من يتعامل مع الحب على أنه شيء لا يجوز التفريط فيه
نحن لا نحزن لأنهم لم يبقوا فقط بل نحزن لأننا كنا نؤمن أنهم مختلفون عن الجميع
كنا نظن أن هناك أشخاصًا إذا دخلوا حياتنا لا يغادرونها مهما تغيرت الظروف وكنا نعتقد أن بعض القلوب إذا التقت بصدق لا تستطيع الأيام أن تفرقها
ثم تعلمنا أن القلب قد يكون صادقًا جدًا لكنه لا يملك وحده قرار البقاء
كم هو موجع أن تكون لديك حكاية كاملة مع شخص ثم تصبح عاجزًا عن سؤاله حتى عن سبب النهاية
تبقى الأسئلة معلقة في داخلك
هل تغير الحب أم تغيرنا نحن
هل كان كل ذلك الشعور حقيقيًا أم أننا كنا نعيش وحدنا داخل حلم جميل
هل افتقدونا كما افتقدناهم أم أن الغياب كان سهلًا عليهم إلى هذه الدرجة
ولماذا كلما حاولنا إقناع أنفسنا أن الأمر انتهى عاد الحنين في أكثر الأوقات هدوءًا ليخبرنا أن القلب لم يتعلم النسيان بعد
في الليل تصبح الذكريات أكثر قسوة
تتذكر كلمة عابرة كانت تعني لك الكثير
نظرة لم تكن تعرف أنها ستكون يومًا آخر ما تحتفظ به من ملامح
مكانًا جمعكما ذات مساء
حديثًا انتهى دون أن تعرف أنه سيكون آخر حديث
وتكتشف أن الإنسان لا يبكي دائمًا على من فقد بل يبكي على كل الأشياء التي كان يتمنى أن يعيشها معه ولم تحدث
هناك وجع لا يراه أحد
أن تستمر في حياتك بشكل طبيعي بينما داخلك شيء منك ما زال واقفًا عند لحظة الرحيل
تضحك مع الناس
تعمل
تتكلم
وتبدو بخير
لكن في داخلك غرفة مغلقة لا يدخلها أحد وفيها كل ما لم تستطع قوله
وفيها شخص واحد ما زلت تحدثه رغم أنه لم يعد يسمعك
ومع مرور الأيام لا يختفي الوجع تمامًا بل يتغير شكله
في البداية يكون بكاءً
ثم يصبح صمتًا
ثم يصبح اشتياقًا
ثم يصبح سؤالًا
ثم يتحول إلى شيء يشبه الحنين الذي لا تستطيع الاعتراف به لأحد
وربما أقسى ما في الأمر أنك لا تريد منهم الكثير
لا تريد عودة الماضي كله
ولا تريد اعتذارًا طويلًا
ولا تريد أن تعيد الزمن إلى الوراء
كل ما كنت تريده أن تعرف أنك لم تكن سهلًا إلى هذا الحد
أن تعرف أن غيابك ترك في قلوبهم شيئًا
أن تعرف أن الأيام التي عشتها معهم لم تكن بالنسبة إليهم مجرد وقت وأنك لم تكن شخصًا عابرًا كما جعلك الرحيل تشعر
لكن بعض الإجابات لا تصل أبدًا
وبعض الناس يرحلون دون أن يمنحونا حتى فرصة فهم ما حدث
فنظل نحمل السؤال معنا ونكبر
ويكبر معنا الصمت
حتى يأتي يوم ندرك فيه أن أكثر ما أتعبنا لم يكن رحيلهم
بل انتظار تفسير من أشخاص اختاروا أن يرحلوا دون تفسير
وعندها فقط نفهم أن بعض الحكايات لا تنتهي عندما يغادر أصحابها
بل تنتهي عندما يتوقف القلب عن انتظارهم
وهذا هو الجزء الأصعب
أن تحب شخصًا بكل ما فيك
ثم تضطر أن تتعلم كيف تعيش بدونه
لا لأنك لم تعد تحبه
بل لأنك فهمت أخيرًا أن الحب وحده لا يكفي ليجعل شخصًا يبقى
وكم هو حزين أن يكون آخر ما تقدمه لمن أحببتهم هو الصمت
لا كرهًا
ولا كبرياء
ولكن لأنك تعبت من طرق باب لم يعد يُفتح
وتعبت من سؤال لا يأتيه جواب
وتعبت من قلب كان كل ما يريده أن يشعر أنه مهم
ثم تكتشف متأخرًا أن بعض القلوب لا تخسرنا لأنها لم تعرف قيمتنا
بل لأنها لم تكن تعرف كيف تحافظ على شيء ثمين عندما يصبح بين يديها
وهكذا نمضي
نحمل وجعًا لا نشتكي منه
وذكريات لا نمحوها
وأشخاصًا لم يعودوا في حياتنا لكنهم ما زالوا يسكنون جزءًا هادئًا من قلوبنا
وربما لن نلتقي بهم مرة أخرى
لكننا سنظل نتذكرهم
ليس لأننا عاجزون عن النسيان
بل لأن بعض البشر حين نحبهم بصدق لا يصبحون مجرد أشخاص مروا في حياتنا
بل يصبحون جزءًا من العمر الذي لا يمكن استعادته
ولهذا حين يسألوننا يومًا
هل نسيت
سنبتسم فقط
لأن هناك أشياء لا تُنسى
لكنها مع الوقت تتوقف عن النزف


