الحب وحده هل يكفي؟
نعيمة بنت راشد البلوشية
نظن طويلاً أن الحب هو الملاذ الأخير لكل خوف، والبلسم الشافي لكل جرح، والعصا السحرية التي تعيد ترتيب ما بعثرته الأيام في دواخلنا. نرببي في أنفسنا يقيناً أعمى بأن نظرة دافئة، أو يداً تمتد في العتمة، قادرة وحدها على محو ندوب السنين وبعث الروح من جديد. لكن الحياة بتجاربها القاسية تعلمنا أحياناً دروساً موجعة، فتكشف لنا عن حقيقة مرة: هل يستطيع الحب وحده إنقاذ إنسان يتآكل من الداخل؟؟
إن الحب الحقيقي يشبه إلى حد بعيد ضمادة رقيقة نضعها بعناية بالغة فوق جرح ينزف بصمت. سيشعرك هذا الحب بلا شك بالأمان، وسيمنحك دفئاً مؤقتاً تحتاجه بشدة، ولكنه يظل عاجزاً تماماً عن إيقاف النزيف الخفي الذي يحدث في أعماق الروح. فالشعور بالطمأنينة بجانب من تحب لا يمتلك القدرة وحدها على إعادة بناء الجدران المهدومة في داخلك، ولا يستطيع ترميم الثقوب التي خلفتها خيبات الأمل والحروب الصامتة التي خضتها وحدك.
لا يكفي أبداً أن تتواجد ذراعان في العالم لتنتتشل شخصاً سقط في قاع نفسه. إن الرحلة نحو قاع الروح هي رحلة فردية بحتة، خوض غمارها مفروض على المرء وحده. قد يقف المحبون على الحافة، يمدون أيديهم بنداءات الاستغاثة والحب، يلوحون بأمل، لكن النزول إلى تلك العتمة الداخلية وإضاءة قناديلها من جديد يتطلب إرادة صلبة وقوة نابعة من الصميم لا يمكن لأحد أن استيرادها من الخارج، حتى وإن كان أقرب الناس إليك.
إن إدراك أن “الحب وحده لا يكفي” ليس دعوة لليأس أو للجفاف العاطفي، بل هو دعوة صادقة للوعي. الحب الحقيقي يبدأ حين ندرك أننا مسؤولون أولاً وأخيراً عن إنقاذ أنفسنا، عن لم شتات أرواحنا، وعن عقد صلح أبدي مع دواخلنا. حينها فقط، يأتي الحب ليشاركنا النور، لا ليحمل وحده عبء إضاءة عتمتنا المطلقة.



