مقالات صحفية

درسٌ من يدِ الجد

   عبدالعزيز الدهماني

يبدأ الصباح بالإقبال، ويتلألأ نور الفجر، بعد أن كان يعلو صفحة السماء السّواد الحالك، التي لم يكن يزينها سوى بضعة نجوم مع ضوء القمر الذي يسير في رحلة فلكه المقدرة له، حيث يحلّ النور مكان الظلام، ينبلج من الشمس الذهبية، وهي كما تعلمون تسير في إعجاز الله سبحانه، لتدلّل على بديع خلق الله لهذه الأجرام السماوية، فقد تعاقبت على هذا الكون منذ ملايين السنين.

ومع علو صوت الأذان يبدأ الناس بالوفود إلى بيت الله لأداء الفرض الذي كتب عليهم، يخرج الجدّ يمشي الهوينا وقد أمسك بيمينه سبحته، التي لا تفارق أنامله، فهي رفيقة دربه وسعادته، يشغل بها لسانه ذكرًا واستغفارًا، حيث يذكّر بها لسانه قبل أصابعه، يشغل نفسه بها في ظلمة الليل الذي يسير فيه، هي نور لقلبه الإيماني الذي تعلّق بها قبل جسده “سبحان الله، الحمد لله، الله أكبر”، يسير في خطواته مع تناغم عجيب بين لسانه وسبحته وأصابع يده، وكأنّ هذا الثلاثي قد كوّن حلقة ذكر لا تتفارق، بل تسير معًا لغاية واحدة، وهي ألّا تمرّ تلك الدقائق والثواني في ذلك الطريق إلا وقد كتب ملائكته الرحمن تلك الحسنات، التي تملأ رصيده الإيماني من الأجور، والغاية رضا رب العالمين.

حتى إذا فرغ من صلاته عادت تلك السبحة الكريمة ليده الطيّبة، والتي يقول عنها: السبحة والعصى وأنا، نحن الثلاثة رفقاء الدنيا في الأجور، كم تأسرني تلك المواقف التوّاقة لغاياتها السامية! وتلك الأعمال التي يرى الكثيرون أنّها عادية، تمرّ مرور الكرام، ولكن لو أدركنا حق الإدراك فإنّها أخلاق صامتة للأبناء، وتعليم لهم بصورة غير مباشرة، تلهمهم عن حكمة كبار السنّ في عدم هدر ولو دقائق من الأعمال التي تقرب إلى ثواب الله ومغفرته ، وما المسباح بيد جدي إلا نور وهداية وهدية من الهدايا الرحمانية الجميلة التي نراها كثيراً بيد كبار السن ، تزين قلوبهم كما تزين أيديهم ،جميلة هذه الطائف على يد أجدادنا حفتهم رحمة المولى في كل خطواتهم .

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights