مقالات صحفية

حين يفقد العزاء معناه

بدرية بنت حمد السيابية

ما أقسى أن يبكي أهل المتوفى في جانب من المكان، بينما ترتفع في جانب آخر أصوات الأحاديث والضحكات، وكأن الموت الذي خيم على البيت لم يوقظ في بعض الحاضرين لحظة صمت، ولم يدعهم إلى تأمل رهبة الرحيل أو مراعاة قلوب أنهكها الفقد.

العزاء في أصله لفتة إنسانية نبيلة، لا يقصد منها مجرد تسجيل الحضور أو أداء واجب اجتماعي معتاد، بل مواساة أهل المتوفى وتخفيف ما أصابهم من حزن، وإشعارهم بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة هذه اللحظة الثقيلة.

فالكلمة الصادقة قد تسند قلبًا منكسرًا، والدعاء الخالص قد يفتح في الحزن نافذة للسكينة، والحضور الهادئ قد يكون أبلغ من كلام كثير لا يراعي حرمة المقام. وقد لخص القرآن الكريم موقف المؤمن أمام الفقد في قوله تعالى: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة: 156].

غير أن ما نراه اليوم في بعض مجالس العزاء يدفعنا إلى التساؤل: هل ما زلنا ندرك المعنى الحقي للتعزية، أم أن العزاء تحول عند بعض الناس إلى عادة اجتماعية تؤدى من غير استشعار لمقصدها؟ لقد لاحظت شخصيًا أن الأحاديث الجانبية تبدأ أحيانًا منذ اللحظات الأولى للوفاة، بينما لا يزال المتوفى يُغسل ويُكفن، وتكون أسرته في أشد لحظاتها ألمًا واضطرابًا. ومع ذلك لا تهدأ بعض الأصوات، ولا تتوقف الحكايات، وربما تُسمع الضحكات في مكان قريب من أهل يبكون عزيزًا لن يعود إليهم.

لا يعني الحزن أن يظل الإنسان عابسًا طوال الوقت، ولا أن يتصنع الأسى، ولكن لكل مقام حرمته، ولكل لحظة لغتها، وبيت فقد أحد أفراده ليس مكانًا مناسبًا للسمر أو استعادة المواقف المضحكة أو مناقشة الأخبار التي يمكن تأجيلها.

إن مراعاة مشاعر أهل المتوفى ليست تكلفًا، بل هي أبسط صور الذوق والرحمة. بعد الدفن يتوافد المعزون من كل صوب. بعضهم يسلم، ويدعو للمتوفى، ويواسي أهله، ثم يستأذن في هدوء، فيترك خلفه أثرًا طيبًا من غير أن يحمل الأسرة عبئًا جديدًا. وبعضهم يجلس ساعات طويلة تمتد إلى آخر النهار أو الليل، وكأن العزاء مجلس مفتوح لا نهاية له.

ليست قيمة التعزية في طول الجلوس، ولا يقاس الوفاء بعدد الساعات التي يمضيها الإنسان في بيت المتوفى.
قد تكون دقائق قليلة تحمل كلمة صادقة ودعاء خالصًا أكثر وفاءً من جلوس طويل يرهق أهل البيت ويشغلهم بخدمة الحاضرين. فالمصاب لا يحتاج إلى من يراقب ضيافته، بل إلى من يراعي حاله، ولا يحتاج إلى من ينتظر منه الاهتمام، بل إلى من يخفف عنه ما استطاع.

ومن العادات المتعارف عليها في بعض مجتمعاتنا أن يستمر استقبال المعزين لدى الرجال ثلاثة أيام، بينما يمتد لدى النساء إلى سبعة أيام. وهذه المدد ترتبط في جانب كبير منها بالعرف الاجتماعي، وتختلف من بيئة إلى أخرى.

أما تحديد التعزية بثلاثة أيام فقد ذكره جمهور من الفقهاء على سبيل الاجتهاد والتنظيم، ولم يرد نص قرآني أو نبوي صريح يجعل إقامة مجلس العزاء لمدة محددة واجبًا لازمًا. ولهذا ينبغي ألا تتحول المدة إلى عبء لا يستطيع أهل المتوفى تقليصه خوفًا من كلام المجتمع أو لوم الناس.

كما ينبغي أن ينسجم مظهر المعزي مع طبيعة المناسبة. وليس المقصود أن للعزاء لباسًا خاصًا أو لونًا محددًا، كما أن المشكلة ليست في كون الثوب جديدًا أو قديمًا، بل في المبالغة التي تجذب الأنظار وتحول الحضور من مشاركة وجدانية إلى استعراض للمظهر. فالبساطة والاحتشام والابتعاد عن الزينة اللافتة تعبر عن فهم المناسبة واحترام مشاعر أهلها. أما الضيافة فقد أصبحت في بعض مجالس العزاء عبئًا يفوق قدرة الأسرة النفسية والمادية، فتقدم القهوة والشاي والعصائر والحلويات، وربما الوجبات المتعددة، حتى يبدو المجلس كأنه مناسبة اجتماعية للاجتماع والطعام لا موقف للمواساة.

والأغرب أن يقول أحدهم: “أنا لا آكل من بيت العزاء” ثم يطيل الجلوس حتى يحين وقت الغداء أو العشاء، فيجد أهل المتوفى أنفسهم أمام حرج اجتماعي، فلا يستطيعون تركه من غير طعام، ولا يملكون في الوقت نفسه طاقة الاستعداد والضيافة. وهكذا يصبح أصحاب المصاب مطالبين بخدمة الآخرين، بينما كان الأولى أن يُخدموا هم وأن تُخفف عنهم أعباء هذه الأيام.

وقد جاء التوجيه النبوي واضحًا عندما توفي جعفر بن أبي طالب. روى عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم” [أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه]. إن المعنى الإنساني في هذا التوجيه عميق وواضح: أهل المتوفى مشغولون بالحزن وتجهيز فقيدهم واستقبال من يواسيهم، ولذلك يكون واجب الأقارب والجيران والمجتمع أن يعينوهم، لا أن ينتظروا منهم موائد الطعام ومظاهر الكرم. فالمواساة الحقيقية لا تكون بزيادة ما يشغلهم، بل برفع بعض ما أثقل كاهلهم.

العزاء ليس مناسبة لإظهار القدرة على الضيافة، وليس مجلسًا لتبادل الأحاديث، وليس فرصة لإطالة اللقاءات الاجتماعية. العزاء مساحة إنسانية ضيقة وحساسة ينبغي أن يدخلها الإنسان بقلبه قبل أن يدخلها بجسده. وعلينا أن نفرق بين الحزن والفرح، وبين المواساة والمجاملة، وبين الوقوف مع أهل المصاب وإرهاقهم تحت اسم الواجب الاجتماعي. فربما كان الصمت في بعض المواقف أبلغ من الكلام، وربما كان الانصراف المبكر أكثر رحمة من الجلوس الطويل، وربما كانت خدمة صغيرة تقدم للأسرة أعظم قيمة من حضور لا يترك وراءه إلا التعب.

إن أهل المتوفى لا يطلبون من الناس أن يحملوا عنهم حزنهم كله، فهذا ما لا يستطيع أحد فعله، لكنهم يستحقون ألا نزيد حزنهم ضيقًا، وألا نحول مصيبتهم إلى مناسبة تتكرر فيها العادات من غير وعي أو مراجعة. فلنحفظ للعزاء هيبته، وللموت جلاله، وللحزن صمته، ولأهل المتوفى حقهم في الرحمة والراحة. ولنجعل حضورنا مواساة لا عبئًا، ودعاء لا ضجيجًا، ورحمة لا مجاملة عابرة.

غفر الله لموتانا وموتاكم ورحمهم رحمة واسعة وألهم أهلهم وذويهم الصبر والسكينة ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights