مقالات صحفية

الإرادة نور

   صالح بن سعيد الحمداني

الحلم كلمة صغيرة لكنها تحمل في طياتها عمق الحياة كلها إنه الشعلة التي تُنير دروبنا والخيط الرفيع الذي يربط بين ما نحن عليه اليوم وما نطمح إليه غدًا، في زمن يعج بالتحديات وتصبح الأحلام الفقيرة شائعة، يظل الحلم الشخصي أداة قوية لإثبات الذات وللتقدم رغم كل العقبات، قد يطول الحلم وقد يقصر وقد يتحقق وقد لا يتحقق، لكن الأهم هو المحاولة هو الشجاعة على الحلم وهو الجرأة على أن نسعى لما نؤمن به، حتى وإن كانت الفرصة ضئيلة أو الطريق مليئًا بالصعوبات.

نعيش اليوم في زمن فقير من الأحلام، زمن تتناقص فيه الطموحات الأصيلة وتختلط فيه الأهداف الشخصية بالمظاهر والضغوط الاجتماعية، كثير من الناس يتبعون المسارات المألوفة لأن الطريق الأسهل يبدو آمنًا أو لأن الظروف الاجتماعية والاقتصادية تحصرهم في حدود ضيقة، ويكون من يملك حلمه الخاص حتى ولو كان بسيطًا يمتلك شيئًا لا يمكن لأي ظرف أن ينتزعه منه…. إنه “الأمل”، فالأمل الذي يولد من الحلم هو الذي يحفز الإنسان على النهوض كل صباح وعلى مواجهة التحديات مهما بلغت صعوبتها.

ليس المهم دائمًا أن يتحقق الحلم وإنما علينا دائمًا أن نحاول تحققه، فالمحاولة بحد ذاتها تجربة غنية تمنحنا الدروس وتُنمّي القدرات وتفتح أمامنا أبوابًا جديدة لم نكن لنراها لولا السعي، فالكاتب والمؤرخ المصري توفيق الحكيم قال “من لا يحاول لا يعرف قيمته الحقيقية”، وهذه المقولة تلخص حقيقة أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما حققه إنما يمكن قياسها بما سعى إليه، فالحلم الذي لم يتحقق لا يصبح فشلًا إنما هو تجربة تقوّي الشخصية وتعلم الصبر وتزيد من استعدادنا للأحلام القادمة.

والحلم لا يكون ثابتًا فقد يطول وقد يقصر حسب الظروف والإمكانات والقدرة على التحمل، وهناك من يرى حلمه يتحقق بسرعة وهناك من يحتاج إلى سنوات طويلة من الجهد والانتظار، ويبقى الفارق الحقيقي هو المرونة في التكيف مع الطريق والاستعداد لتعديل المسار دون أن نفقد الهدف الأساسي، والفهم للحلم يجعلنا أكثر واقعية ويمنحنا القدرة على التقدير، تقدير الجهد وتقدير التجربة وتقدير كل خطوة نخطوها نحو مستقبل أفضل.

كم من شخص بدأ حلمه صغيرًا لكنه استمر في السعي فتغيرت حياته بالكامل، مثل رائد الأعمال الذي بدأ مشروعه برأس مال محدود لكنه بالعمل والمثابرة استطاع أن يحول فكرته إلى شركة ناجحة تُحدث فرقًا في مجتمعه، أو الطالب الذي كان حلمه الحصول على تعليم جيد في ظروف صعبة لكنه بالجد والمثابرة نجح وتخرج ليصبح قدوة لأقرانه، وهناك ذلك الكاتب الذي بدأ رحلته بتطوير ذاته، وسعى بكل جد لإبراز موهبته، حتى ترك بصمة جميلة وتميّز بطرح راقٍ وأسلوب مؤثر، وفي نفس الوقت هناك من حاول ولم يحقق الحلم لكنه اكتسب خبرات لا تقدر بثمن واكتسب القدرة على مواجهة تحديات جديدة بثقة أكبر، التجربة هنا تظل قيمة قائمة بذاتها حتى لو لم يصل الهدف النهائي لإنه إستفاد من التجربة وتعلم منها ولم يخسر في الحقيقة من تجربته.

الحلم هو ما يميز الإنسان عن الجماد ويمنحه سببًا للاستمرار ولإبداع حلول مبتكرة، ففي زمن فقير من الأحلام، يصبح الحلم الفردي هو ما يبقي الروح حية ويمنح الحياة معنى رغم كل الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فعندما نحلم نصبح قادرين على تصور مستقبل مختلف وتخيل طرق جديدة للحياة ونصبح أكثر استعدادًا لتحمل الصعوبات والصمود أمام التحديات اليومية.

قد يطول الحلم وقد يقصر وقد يتحقق وقد لا يتحقق ولكننا يكفينا أننا حاولنا، فمحاولة تحقيق الحلم مهما كانت النتيجة هي ما تمنح حياتنا قيمة ومعنى، والحلم هو الشعلة التي تضيء العتمة والجرأة على الحلم هي ما يجعل الإنسان يختلف عن الآخرين في زمن فقير من الأحلام، والحلم لا يُقاس بالمدة أو بالنتيجة بل بالشجاعة على الإيمان به والسعي وراءه، ومن يجرؤ على الحلم حتى لو بدأ صغيرًا، يثبت لنفسه قبل الآخرين أن الحياة تستحق العيش وأن لكل مجتهد نصيب وأن كل محاولة مهما كانت بسيطة تصنع فارقًا حقيقيًا في الرحلة الإنسانية، فلنحلم ولنحاول ولنقدّر قيمة كل خطوة نحو ما نؤمن به فالحياة قصيرة والأحلام هي ما يجعلها حية وملهمة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights