مقالات صحفية

الحب كما يرويه التمر

   مريم بنت سليمان الجابرية

فوق غيمةٍ في السماء، وعلى طاولةٍ مرصعةٍ بالزهر والورد، وعبقٍ من العطور، تتوسطها فواكه متنوعة، دار الحديث التالي بيني وبين الرفاق:
-الحب في ثقافتنا كزهر اللوز، أو أبعد، كما قال محمود درويش.
-الحب عطر، ورائحة، وذكرى.
-هو لذةٌ كالشهد!

نظر الجميع نحوي. كان عليَّ أن أجد جوابًا مختلفًا، وجديدًا عليَّ وعليهم. كان موسم الصيف، وكان القيظ في ذروته حين جئت .. أجبتهم بعد أن وقفت، وكأنني ألقي خطابًا حماسيًّا:

الحب لدينا كموسم التمر في قيظ عُمان؛ يبدأ صغيرًا جدًا، بسرٍّ أخضر اللون، كبدايات الولوع في الحب، مشرقًا، متفائلًا. ثم تبدأ المواسم تتباين، ويعلن كل نوعٍ مساره وطريقته في الحب.

يسبق رطب الصلاني الموسم متحمسًا، بحجمه الصغير، لكنه شهيٌّ لا تمل منه؛ لأنك ترغب في استكشافه. أصفر اللون، كما تميل البدايات دائمًا إلى الألوان الهادئة.

بعدها تكثر الأنواع وتتلألأ، وتبدأ بتبديل ألوانها وطعمها تمامًا. يأتي الخنيزي بلونٍ أحمر بديع، كاحتفالات الحب، ولون أزهاره المفضلة.
وينافس الخلاص حلاوة الحب، وجمال مواعيده مع قهوةٍ عُمانيةٍ شهية.

تمضي الأيام، وما بين أصناف الرطب “الحب”، هناك ما يكبر ويصبح في أبهى صورة، وهناك ما يجف كبقايا قصة حب انتهت بالوداع، وهناك ما يُعصر لأن حلاوته بدأت تنتهي، كحبٍّ أنهكته الخصومات المتكررة، وآخر يتم غليه لأنه اختار مسارًا آخر في الحياة، وباتت عواطف الحب فيه ذات طعمٍ مختلفٍ وصلب.

ولدينا تمرٌ تسميه أمي “أم السلا”، يُستخدم كعلاج، تمامًا كما بعض أنواع الحب التي تداوي العشاق بمجرد حضورها.

وعلى غرار ذلك، بعض التمر يُرمى طعامًا للحيوانات؛ لأنه لا يستحق الذكرى أو الاحتفاظ به، فلم يعد صالحًا لشيء، كقصص الحب التي انتهت بالخيانة وتدمير الرابط العظيم فيها.

وفي الحب ما تود أن تختزنه وتحفظه للأبد، تمامًا كالنغال والفرض الذي يُحفظ لمواسم الشتاء، أو قد يطول حفظه أكثر من ذلك دون أن يفسد.

ثم أنهيت خطابي سعيدةً بين السحاب، وأنا أخبرهم بأنني غفلت عن الكثير من الأنواع والمراحل.

وحين التفتُّ إلى وجوههم، وجدتُ أنني أقنعتهم بأن التمر قد يكون شأنه شأن الزهر والعطر، رمزًا للحب في جميع مراحله.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights