الابتزاز العاطفي
د. حمده حسن
أو ما تسميه د. حمده “التسول العاطفي” وجذوره في مرحلة الطفولة
يُعد الابتزاز العاطفي، أو ما يمكن تسميته بـ “التسول العاطفي”، أحد أنماط التعلق غير الصحي التي يسعى فيها الفرد إلى الحصول على الحب والاهتمام والقبول من الآخرين بطرق تعتمد على الضغط النفسي أو إثارة الشعور بالذنب أو الخوف من الفقد، بدلًا من التعبير الصحي عن الاحتياجات العاطفية. وغالبًا لا ينشأ هذا النمط بشكل مفاجئ في مرحلة الرشد، بل تمتد جذوره إلى الخبرات المبكرة التي يمر بها الطفل داخل الأسرة.
فقد يؤدي الحرمان العاطفي في الطفولة إلى شعور الطفل بعدم كفاية الحب والاهتمام، مما يجعله في مراحل لاحقة من حياته يبحث بصورة مستمرة عن تأكيد الآخرين لمحبته وقيمته. كما أن الحب المشروط، عندما يشعر الطفل بأن قبوله مرتبط بإنجازاته أو طاعته أو قدرته على إرضاء الآخرين، قد يزرع لديه اعتقادًا بأن الحب ليس حقًا طبيعيًا وإنما شيء يجب السعي للحصول عليه باستمرار.
ويُعد الإهمال العاطفي من العوامل المهمة أيضًا، حيث إن غياب الاستجابة لمشاعر الطفل واحتياجاته النفسية قد يؤدي إلى ضعف الشعور بالأمان الداخلي، فيصبح الفرد أكثر اعتمادًا على الآخرين للحصول على الطمأنينة والدعم. كذلك فإن التعرض لتجارب الخوف من الهجر أو عدم الاستقرار الأسري، مثل غياب أحد الوالدين أو كثرة الصراعات الأسرية، قد يكوّن لدى الطفل مخاوف مستمرة من فقدان الأشخاص المهمين في حياته.
ومن العوامل المؤثرة كذلك النقد المستمر والتقليل من قيمة الطفل، إذ قد يؤدي ذلك إلى انخفاض تقدير الذات والحاجة الدائمة إلى استحسان الآخرين. كما أن الحماية الزائدة والسيطرة المفرطة قد تعيق نمو الاستقلالية العاطفية لدى الطفل، فتجعله يعتمد على الآخرين في تنظيم مشاعره والشعور بالأمان.
ولا يقتصر تأثير الطفولة على الخبرات المباشرة فقط، بل يمتد إلى ما يتعلمه الطفل من خلال ملاحظة العلاقات داخل الأسرة؛ فمشاهدة أحد الوالدين يستخدم اللوم أو إثارة الذنب للحصول على الاهتمام قد تجعل الطفل يكتسب هذه الأساليب ويستخدمها لاحقًا في علاقاته. كذلك فإن عدم تعليم الطفل طرقًا صحية للتعبير عن احتياجاته ومشاعره قد يدفعه مستقبلًا إلى استخدام أساليب غير مباشرة للحصول على الحب، مثل الشكوى المستمرة أو استدرار التعاطف.
وبذلك يمكن القول إن التسول العاطفي يمثل انعكاسًا لاحتياجات عاطفية قديمة لم تُشبع في مرحلة الطفولة، وأن فهم جذوره يساعد الفرد على بناء علاقة أكثر توازنًا مع ذاته ومع الآخرين، من خلال تعزيز تقدير الذات، وتنمية الاستقلالية الانفعالية، وتعلم التعبير الصحي عن الاحتياجات والمشاعر.



