حقوق وعقوق
د. سعود ساطي السويهري
إستشاري العلاج النفسي
تُمثّل العلاقة بين الآباء والأبناء أسمى العلاقات الإنسانية، وتتطلب توازناً دقيقاً يقوم على العطاء والتقدير؛ فمقابل ما يقدمه الوالدان من تضحيات، ينبغي على الأبناء فهم واجباتهم والتمييز بوضوح بين تصرفات البِر والتصرفات التي تُدخلهم في دائرة العقوق، ليكون هذا الفهم دليلاً يضبط سلوكياتهم اليومية.
دليل حقوق الوالدين (تصرفات البِر): وتشمل حقوق الوالدين كل سلوك يُدخل السرور على قلبهما ويحفظ كرامتهما؛ وتتجسد أركانها الأساسية في: البر المالي بنفقتهما والعناية باحتياجاتهما عند الحاجة، والبر القولي بلين الخطاب وانتقاء الكلمات اللطيفة، والبر الفعلي بالمساعدة اليومية، حتى قبل أن يطلب الوالدين ما يريدونه، إضافة إلى البر العاطفي بالاهتمام بدعواتهما والسؤال المستمر عنهما، حيث يتجسد البِر في استباق متطلباتهما وتلبيتها برحابة صدر، والتأدب التام في حضرتهما بخفض الصوت والدعاء لهما، وإظهار التقدير لآرائهما حتى عند الاختلاف في الرأي أو الرغبة في شئ ما.
كما يتضمن هذا الدليل الاستثمار في كسب رضاهما بالهدايا والملاطفة، وإيثار راحتهما على الرغبات الشخصية، والحرص على التواصل المستمر والتفقد الدائم لأحوالهما، وهو ما يضمن للابن الطمأنينة ويجعل سلوكه مثالاً للوفاء والإحسان.
دليل عقوق الوالدين (المحظورات): ويُمثل دليل العقوق خطاً أحمر يُحذر الأبناء من الوقوع في سلوكيات تسبب الأذى النفسي أو الجسدي أو العاطفي للوالدين؛ ويشمل ذلك رفع الصوت في وجههما، أو استخدام الألفاظ الجافة والتأفف من متطلباتهما، أو تجاهل وجودهما وتفضيل الآخرين عليهما، كما يمتد المحظور ليشمل الشح في نفقتهما مع القدرة المادية، أو هجرهما وقطعهما، وتوجيه الإهانة لكرامتهما سواء بالقول أو الفعل المباشر وغير المباشر، وتعتبر هذه التصرفات انحرافاً سلوكياً يُحرم صاحبه من البركة وتستوجب المراجعة الفورية والاعتذار.
وفي العصر الحالي؛ يتطلب بر الوالدين أبعاداً جديدة فرضتها تحولات الحياة الرقمية والتغيرات الاجتماعية، ففي ظل الانشغال بالهواتف الذكية، أصبح من أكبر صور العقوق العزلة الرقمية؛ أي أن يكون الابن حاضر بجسده غائباً بعقله واهتمامه في جلسة والدي، وبدلا من ذلك يمكن تخصيص وقت “خالٍ من الشاشات” يومياً للجلوس معهما، والإنصات لحديثهما باهتمام دون النظر للهاتف، ومساعدتهما في استخدام التقنية والتطبيقات الحكومية والخدمية (مثل “أبشر” أو “صحتي” وغيرها) برحابة صدر ودون إظهار التبرم.
كما ينبغي احترام التغيرات الفكرية والاجتماعية (الفجوة بين الأجيال) وعدم التقليل من خبرتهما، أو السخرية من آرائهما واعتبارها “من الماضي”، أو التسفيه من نصائحهما بدعوى التحرر أو المعاصرة. كما أن من أهم حقوق الآباء هو حماية سمعة الأسرة في الفضاء الرقمي من السلبيات المعاصرة المنتشرة انتشار بعض التصرفات غير المسؤولة على وسائل التواصل الاجتماعي (مثل “تيك توك” أو “سناب شات”)؛ لأن سلوك الابن يعكس مباشرة صورة مُربيه.
ختاما؛ يتوجب على الأبناء استيعاب هذا الدليل والوعي الدائم به، لضمان استمرار البِر كقيمٍ حيّة تُترجم إلى سلوكيات يومية تحمي الوالدين وتصون حقوقهما، وتجنبهم الوقوع في العقوق، في زحام الحياة الحديثة.



