مقالات صحفية

من يسرق فكرتي؟ ..

  أسماء بنت سليمان الشحية

حين يصبح الإبداع ضريبة والاعتراف سرابًا
في بعض المؤسسات، هناك لحظة يصطدم فيها الطموح بالجحود، وتتحول فيها الأفكار إلى غنيمة للصيادين، ويصبح المبدع مجرد أداة تُستخدم ثم تُرمى.

في صباح أحد الأيام دخلت إلى مكتبي وأنا أحمل بين يديّ مقترحًا عملت عليه لأسابيع: تصور متكامل، دراسة معمقة، حلول مبتكرة لمشكلة ظلت تؤرق العمل لسنوات. كنت فخورة بما قدمته، متحمسة لإحداث تغيير حقيقي. أرسلت المقترح، وانتظرت الرد بفارغ الصبر.

جاء الرد موجزًا: “نشكرك على مقترحك، وسيتم اتخاذ اللازم.”
مرت الأشهر. ثم ذات يوم، فوجئت بأن المقترح يُنفذ على أرض الواقع. لكن الاسم الذي توهج في الإعلان لم يكن اسمي. ذهبت لأستفسر، فكان الجواب الصاعق: “الفكرة مطروحة منذ أربع سنوات.”

هنا توقفت. هنا بدأ السؤال المؤلم: إن كانت الفكرة مطروحة منذ أربع سنوات، فلماذا طُلب مني إعداد تصور كامل لها؟ ولماذا لم يُخبروني من البداية؟

دعونا نضع المنطق جانبًا للحظة ونتحدث بصدق.
منطقيًا، قد تكون الفكرة مطروحة بالفعل. قد يكون هناك من سبقني إليها. لكن السؤال الأعمق: لماذا استُخدِم وقتي وجهدي لإعادة إنتاج ما هو موجود؟ لماذا استُهلك حماسي ثم أُهمل؟ لماذا لم يُشركوني في التطوير بدلاً من إقصائي؟

حين تُسرق فكرتك، لا يُسرق جهدك فقط. يُسرق اعترافهم بك. أنت تقول للمؤسسة: “أنا موجود، أنا أفكر، أنا أستطيع أن أضيف.” وهم يردون بصمت: “أنت غير مهم.”
إنه شعور بأنك أصبحت مجرد آلة لإنتاج الأفكار، يُستخرج منها ما يُستخرج، ثم تُترك خالية الوفاض.

هذا الاستنكار ليس مجرد موقف عابر. إنه سمّ بطيء يتسرب إلى النفس البشرية:
تآكل الثقة بالنفس
تبدأ تتساءل: “هل أنا غير كافٍ؟ هل أفكاري لا تستحق؟” يتحول سؤالك من “لماذا سُرقت فكرتي؟” إلى “هل أنا أصلاً قادر على الإبداع؟”

الإبداع يحتاج إلى بيئة آمنة ..
عندما تُرفض أفكارك أو تُسرق، يتوقف عقلك عن الإنتاج. تصبح أكثر حذرًا، أقل جرأة. تبدأ في كبت أفكارك خوفًا من أن تُسلب مجددًا.

تتخذ القرار المصيري: “لن أقدم شيئًا بعد الآن.”
ليس لأنك غير قادر، بل لأنك تعلمت الدرس. تتوقف عن المشاركة، عن الكتابة، عن محاولة التغيير. تصبح مجرد موظف يؤدي واجبه فقط.

تبدأ ترى الأمور من زاوية سلبية
كل نجاح يحققه الآخرون، تشعر أنه كان بإمكانك أن تكون هناك. المرارة تتسلل إلى علاقاتك، إلى أدائك، إلى نظرتك للمؤسسة بأكملها.

كيف تنتمي لمكان لا يُقدّرك؟ كيف تبذل جهدًا لمكان يرى إبداعك ثم يمرره لآخرين؟ تبدأ بالنظر إلى الباب، ليس فقط للهروب، بل للبحث عن مكان يعرف قيمتك.

ربما التوقف ليس حلاً، بل خسارة مضاعفة. أنت تخسر فرصة التطور، وهم يخسرون شخصًا مبدعًا. لكن الاستمرار على النحو نفسه هو انتحار مهني بطيء.

من يسرق المقترحات قد يسرق لحظة، لكن من يمتلك الإبداع يمتلك المستقبل. لا تدعهم يسرقون أفكارك فهي ليست فقط أفكارك، بل روحك أيضًا.

لأن المؤسسات الحقيقية لا تُبنى بأفكار مسروقة، بل بعقول تُقدّر، وأرواح تُكرّم، وإبداع يُحتضن.

“الإبداع ليس سلعة تُسرق، بل بصمة تُترك. ومن يسرق البصمة، يسرق هويته قبل
أن يسرق هوية غيره.”

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights