لا تُفسِد بئر الرضا .. حين تُغتال الفرحة بكلمة
حسين بن علي الدروشي
في زوايا الحياة وفي دروبها المتشعبة، أثمن ما يملكه الإنسان ليس كثرة المال ولا علوّ المكانة، بل “سلامة القلب وراحة البال” . الرضا هو البئر العذبة التي يرتوي منها المؤمن في ظلمات التعب والانتظار، لكنها بئر رهيفة، كلمة واحدة غير مسؤولة كفيلة بأن تدرّ فيها الكدر وتفسد عذوبتها.
بعد سنوات طوال من الجهد، والسعي، والدعاء في ظلمات الليل، ابتسمت الحياة لشابٍ كافح ليجد فرصته. صَبَر وتصبّر، حتى جاءه النبأ السار بتعيينه وظيفياً، لكن القرار حمله إلى مدينة بعيدة، تفصله عن أهله ودياره مئات الكيلومترات.
رغم غربة الطريق وبعد المسافة، ملأت الفرحة قلبه، وسجد لله شكراً على هذه النعمة التي ينتظرها منذ سنين. شعر بأن أتعابه أثمرت، وأن الله قد أخذ بيده ليعتمد على نفسه ويستقر.
لكن، في لحظة الغبطة تلك، يلتقي بزميلٍ أو قريبٍ له، وبدلاً من أن يبارِك له ويشدّ على يده، يبتسم بتهوّر ويقول:
“مبروك.. ولكن ابن حارتنا وفلان توظف بنفس مؤهلك وفي نفس مدينتنا وقريب جداً من بيته، لماذا قبلت بالذهاب إلى هناك؟ لو صبرت قليلاً لكُتب لك القرب!
في تلك اللحظة، يتوقف الزمان بالنسبة لهذا الشاب. تبدأ الكلمة بالحفر في قلبه كالإبرة:
تتلاشى فرحته الصافية، وتتحول السجدة التي كانت شكراً إلى حسرة خفية، ويكبر في عينيه الطريق البعيد ليصبح عبئاً بعد أن كان أملاً.
لم تتغير الوظيفة، ولم تتغير المسافة، لكن “عينيه هما اللتان تغيرتا” . لقد أُفسِد عليه بئر الرضا!
المقارنات المقيتة.. كيف تُسرق النعم؟ وهذه قصص من واقعنا تكرر نفسها بأشكال مختلفة في مجتمعاتنا تحدث في بيوتنا :
كمثال المرأة المسرورة في بيتها تعيش مع زوجها البسيط في كفاف وراحة بال، حتى تهمس في أذنها إحدى الصديقات: “ألم تسافروا هذا العام؟ فلانة سافرت..” فتعود إلى بيتها لترى الجدران ضيقة والزوج مقصراً، فيستحيل الرضا إلى سخط وحرمان.
الشاب الذي اشترى شقته الأولى يفرح بجدرانها البسيطة التي جمع ثمنها عرقاً، حتى يزوره أحدهم ليقول: “لو انتظرت اشتريت في موقع أفضل!” فيأكله الندم وتنقلب المسرة إلى ضيق.
ظاهرة التنافس المقيت الذي يُعرض فيه نجاح الآخرين ليُقلل من إنجازات أبنائنا وبناتنا، وكأن النجاح لا يكتمل إلا إذا كان أسرع وأعلى من الجميع عندما يقارن احد افراد الاسرة نجاح ابن العم لانه حصل على نسبه اعلى.
إن مدّ العين إلى ما لدى الغير لا يجلب لك ما في أيديهم، ولكنه يسرق يقينك وما في يدك، ويورث القلب هماً وغماً، ويكسوه بسخطٍ يلتهم النعم.
كما قال الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ (طه: 131).
على الضفة الأخرى من المجتمع، تجد نفوساً راقية تُشبه المطر، كشخصٍ رزقه الله حكمة وزناً للكلام؛ إن علم بمعلومة أو قارَن أمراً في ذهنه ورأى أن ذكرها قد يُكسر خاطر أخيه أو يقلل من فرحته، كتمها وأمسك عنها.
ليس الصمت هنا عجزاً، بل “رعايةً لقلب أخيك” . الصمت عن المعلومة التي تُفسد رضا أخيك هو فضيلة وأمانة؛ فالكلمة الطيبة صدقة، والكفّ عن أذى القلوب صدقةٌ أكبر.
احبتي في الله احموا آبار رضاكم لا تسمحوا لأي كلمة عابرة أو مقارنة جائرة أن تسرق منكم فرحة الإنجاز. رزقك مقسوم، وطريقك خاص بك، والنعمة التي في يدك اليوم هي حلمٌ لغيرك بالأمس.
كونوا بلسمًا لا علة فقبل أن تنطقوا بكلمة تُقارنون فيها بين حال وحال، سلوا أنفسكم: “هل هذه الكلمة تُضيف خيراً ونفعاً، أم تُدخل هماً وضيقاً؟” لنسر على هدي النبي ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
احذروا مجتمعات المظاهر والتي فيها المقارنات المتواصلة تُدخل المجتمع في سباق مادي لا نهاية له، وتصنع بيئة خصبة للحسد والسخط، بينما القناعةُ كنزٌ يصون القلب ويهبه السلام.
ختاماً إذا رأيت أخاك أو صديقك راضياً ومطمئناً بما قسم الله له، فاعلم أنها نعمة نادرة في زمن التكاثر.. فلا تمدّن عينيه إلى غيره، ولا تُدخل عليه قلقاً لم يطلبه.. وإياك أن تبصق في بئر رضاه…



