جوهر العلم بين الهدي القرآني والفكر الغربي
د. أحمد الشربيني
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد..
فإن المتأمل في تاريخ الفكر البشري يجد أن الصراع بين العلم والإيمان ليس وليد هذه اللحظة، بل هو صراع متجدد تتجلى فيه حكمة الخالق في أن جعل الإيمان أساساً لكل معرفة راسخة، وأن جعل العلم سبيلاً إلى التدبر لا إلى التمرد. وأنا، في سياق هذا المقال، لا أكتب بوصفي باحثاً لغوياً فحسب، بل بوصفي ممن شغلته القراءة في معظم ميادين المعرفة، ورأى بأم عينيه تناقضات المناهج العلمية التي تقدم نفسها على أنها حقائق مطلقة، ثم تنهار كالبيت العنكبوتي بمجرد أن تتعرض لأول نسمة نقدية.
حقيقةً عندما بدأت دراستي الجامعية في مجال اللغة وعلومها لم ينقطع شغفي بقراءة العلوم الأخرى كالتاريخ والآثار والاقتصاد والفلك والجيولوجيا ومع ذلك رأيت العجب ففي الاقتصاد السياسي مثلاً وقفتُ على في أولى المفارقات التي شكلت علامة استفهامٍ في ذهني؛ فمبدأ “الندرة النسبية”، الذي هو حجر الزاوية في الفكر الاقتصادي الغربي، يقوم على افتراض أن الموارد محدودة في مواجهة رغبات البشر اللامحدودة. وهذا يعني، كما يُقرر كبار الاقتصاديين، أن مستقبل البشرية سيتطلب إما تقليص الاستهلاك أو تقليص عدد البشر أنفسهم عن طريق المليار الذهبي وفق نظرية اليوجينيا.
وبلا شك، فإن هذه الرؤية ليست مجرد نظرية، بل هي منهج حياةٍ تبناها واضعو سياسات الحد من النمو السكاني، وهي سياسات لا تخلو من أبعاد أخلاقية خطيرة حذر منها المفكر الكبير زكي نجيب محمود.
ثم نظرت في كتاب الله عز وجل فوجدت الآيات التي تنقض هذا المبدأ نقضاً، وتدحضه دحضاً؛ إذ قال تبارك وتعالى: “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا” هود الآية ٦، فكيف يُعقل أن يخلق الله خلقاً ويدعهم بلا رزق؟! وقال سبحانه: “إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ” القمر الآية ٤٩، ومن ثم أفيكون في تقدير العليم الحكيم أن يخلق نفوساً وليس لها من رزقها نصيب؟! وقال عز من قائل: “وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا” إبراهيم الآية ٣٤ وبالتالي لو حاولنا إحصاء نعمةٍ واحدةٍ من نعم الله لضاقت بذلك عقولنا. وقال جل جلاله: “وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ” الأنعام الآية ١٥١، وكأن تلكم الآية الكريمة ترد على كل دعوةٍ تروج لتحديد النسل بدعوى ضيق الرزق.
وفي سياق قراءاتي أيضاً في تاريخ العلوم، لاحظتُ ظاهرةً مثيرةً للدهشة؛ ذلك أن معظم النظريات العلمية التي تُقدس في عصر ما سرعان ما تُقلب في العصر التالي رأساً على عقب. فهرم الغذاء الصحي، الذي حظي بمكانةٍ شبه مقدسة لعقود، كان يضع الشحوم في قاعدة الهرم محذراً من أضرارها، ثم جاءت أبحاثٌ جديدةٌ فنسفت كل ما سبق، وأعادت الشحوم إلى قمة الهرم مع البروتينات، معتذرةً عن أبحاثها السابقة التي روجت للكارثة الصحية.
وهنا وقفتُ متسائلاً: أين أمانة العلم في هذا التقلب؟ وإذا كانت المؤسسات العلمية العالمية ترتكب أخطاءً بهذه السذاجة، وتستمر عليها عقوداً، فكيف يمكن الوثوق بها في ما هو أخطر من الهرم الغذائي؟ لقد صرفت هذه الأبحاث الخاطئة مليارات الدولارات، وأثرت على حياة الملايين، وربما تسببت في وفياتٍ لا تُحصى، ثم انتهت باعتذارٍ عابرٍ لا يردّ ما فات.
ثم عدتُ متدبراً في آي القرآن الكريم بحثاً عن ضالتي، فوجدت آيةً عجيبةً تلقي الضوء على الحكمة من تحريم الشحوم على بني إسرائيل. يقول الله تعالى: “وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ” الأنعام الآية١٤٦ ، فإذا كان الله يحرم عليهم هذه الشحوم جزاءً على بغيهم، فهذا يعني أنها كانت مفيدة لهم، لكنها حُرمت عقاباً لهم. وهذا ما أكدته أحدث الأبحاث التي أثبتت فوائد الشحوم الحيوانية، والتي كانت معروفةً في القرآن منذ أربعة عشر قرناً.
وهكذا، في كل مرة يقدم فيها العلم اكتشافاً جديداً، نجد القرآن قد سبقه إلى الحقيقة، لكن العلماء المعاصرين لا يذكرون أن ما توصلوا إليه قد جاء في كتابٍ منزلٍ قبل أربعة عشر قرناً، وكأنهم يخجلون من الاعتراف بذلك. وفي هذا يقول الله: “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ” فصلت الآية ٥٣،
ولكم لاحظت في قراءاتي لمروجي الفكر الغربي أنهم يتعاملون مع العلم بانتقائيةٍ غريبة. فهم يؤمنون بنظرية التطور التي لا دليل عليها، ويطعنون في الحديث النبوي الشريف الذي رواه البخاري ومسلم: “لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا”، زاعمين أن العلم يقول عكس ذلك، وأن الفقر سيزداد مع زيادة عدد السكان.
ثم إذا أعلن “إيلون ماسك” أن المستقبل سيكون دخلُ الفرد عالياً، وأن السلع والخدمات لن تشهد نقصاً، صفق له الملحدون وكأنه نبي من أنبياء العلم! أفي هذا من إنصاف؟! إنها ازدواجية المعايير بعينها، وهي سمة بارزة في خطاب العلمانيين، الذين يتهمون الفكر العلمي الإسلامي بالجمود وهم في حقيقة أمرهم أكثر انغلاقاً منا، لأنهم يقدسون العلم كصنمٍ لا يُناقش ولا يُجادل وتناسوا ما أسداه عرب الأندلس للحضارة الأوروبية في العصور الوسطى.
وإذا كان العلم، في صورته المثالية، قائماً على البحث عن الحقيقة والنزاهة والموضوعية، فإننا نجد أن كثيراً من العلماء الذين رفعهم العلمانيون إلى مصاف الآلهة، قد انكشف عنهم قناع فساد أخلاقي صارخ. فقد ظهر أخيراً أن كثيراً من كبار الملحدين والعلماء الماديين كانوا يترددون على جزيرة “إبستين” التي كانت تستغل الأطفال جنسياً، ومنهم من شارك في تلك الجرائم البشعة. لكن الملحدين صمتوا، بل وتجاهل الكثير منهم مذابح مسلمي بورما والروهينجا والأيغور، بينما كانوا يهاجمون الإسلام بشراسة في كل مناسبة!!!
إن ما دعاني إلى كتابة هذه الكلمات ليس هو العداء للعلم، حاشا لله، بل هو الدعوة إلى علمٍ نزيهٍ، وعلمٍ مخلصٍ، وعلمٍ لا يباع ولا يشترى. وقد قال الله تعالى: “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ” سورة المجادلة ١١ ، جمع بين الإيمان والعلم، ولم يفصل بينهما.
فمن أراد أن يكون عالماً حقاً، فليكن مؤمناً أولاً، وليكن ناقداً ثانياً، وليعلم أن العلم الحقيقي ليس ما تقدمه المؤسسات الدولية بتمويلاتها المشبوهة، بل هو العلم الذي يتجلى في آيات الله في الكون، وفي آياته في القرآن، وفي آياته في النفس البشرية. فالحقيقة لا تتغير بتغير الأهواء، والحق لا يتبدل بتبدل الرغبات. والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.


