مقالات صحفية

العام الدراسي نافذة أمل للمستقبل

هلال بن حميد بن سيف المقبالي

لعل أجمل ما يذكّرنا بقيمة العلم هو قول الله تعالى ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ من الآية 114 من سورة طه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، فالعلم هنا ليس محطة نصل إليها ثم نتوقف، وإنما طريق ممتد، كلما قطع الإنسان منه مسافة أدرك أن أمامه مسافات أخرى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة»، وهي منزلة تجعل طلب العلم فريضة دينية.

وها هو العام الدراسي يفتح أبوابه لتطل شمس المعرفة في جميع ربوع التعليم في سلطنة عُمان بمستوياته التعليمية. وها هم أطفالنا غراس المستقبل يحملون حقائب الأماني الجديدة على ظهورهم لاستقبال عام دراسي جديد، بعدما اشتروا وجهزوا أغراضهم وأدواتهم المدرسية تمهيدًا لهذا اليوم، الذي ينتظره البعض بشغف عميق.

عامًا دراسيًا جديدًا، تبدأ فيه الخطوة الأولى لمشوار طويل في نيل العلم والمعرفة؛ مشوار لا يخلو من العقبات والصعوبات، ولكن بالطموح والإصرار يستمر المشوار ليكون في كل مرحلة أفضل مما كنا عليه، فالعلم نافذة أمل لمستقبلٍ مشرق.

فمع بداية كل عام دراسي تستعيد المدارس شيئًا من روحها التي غابت خلال الإجازة الصيفية، وتفتح أبوابها من جديد؛ فتعود إليها خطوات الطلبة، وضجيج الفصول، ونداءات المعلمين، وجرس الحصص، تلك التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة، لكنها في الحقيقة تصنع ذاكرة أعوام كاملة، فتعود معها أمنيات وأحلام، وتتشكل حكايات صغيرة قد يكون لها أثر كبير في المستقبل.

فهناك طلبة يبدؤون عامهم بعزيمة وإصرار يبحثون عن التفوق، وآخرون يبدعون ليكتشفوا قدراتهم ومهاراتهم في المجالات التي يحبونها؛ وهنا يأتي دور الهيئة التدريسية لتهيئة الفرص، وتوفير القدرات لصقل هذه العقول، بعيدًا عن التذمر وعدم الاهتمام وخلق فجوة بين الطلبة تؤثر على مسارهم التعليمي، فالطالب هو الأمل القادم لبناء الوطن ورفعة شأنه.

المدرسة ليست جدرانًا وفصولًا وكتبًا فقط؛ بل هي بيئة تتشكل فيها شخصية الطفل، ويتعلم فيها معنى المسؤولية والانضباط واحترام الآخر، وتُزرع فيه بذور قد لا تظهر ثمارها إلا بعد سنوات.

لذلك، فإن استقبال العام الدراسي ينبغي ألا يكون بالكتب والحقائب وحدها، بل بروح جديدة، روح تؤمن بأن كل يوم دراسي فرصة، وكل حصة قد تفتح نافذة في عقل طالب، وكل كلمة طيبة من معلم قد تترك أثرًا لا يمحوه الزمن، فليكن لهذا المعلم كل تقدير واحترام، وعزة وكرامة.

يقول الشاعر أحمد شوقي:

قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا
كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا

أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي
يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا

ومن واجب المعلم ألا يغفل عن الجانب الوطني في أداء عمله، فالتعليم أمانة قبل أن يكون وظيفة.

عام جديد قد بدأ، وتبدأ معه همم القادة التربويين بخططهم وجداولهم الدراسية، وتفانيهم للوصول إلى مستوى يليق بهم وبطلابهم؛ فالمعلّم ليس ناقل معرفة فقط، بل هو مهندس الأرواح، يُضيء في العقول شموعًا لا تنطفئ، ويغرس في القلوب بذورًا تُحصد بعد سنين. فهم الجنود المخلصون الذين يبنون مجد هذا الوطن، فالطبيب والمهندس والقائد والسفير وغيرهم لم يكونوا ما هم عليه لولا المعلم، فوراء كل طالبٍ يحمل حلمًا، معلم يحمل رسالة الأمانة لتحقيق هذا الحلم، وخلف هذا المعلم وطنًا ينتظر من أبنائه أن يكونوا يومًا ما أكثر علمًا ووعيًا وقدرة على صناعة المستقبل، وبناء اقتصاده ومجده. يقول الشاعر أحمد شوقي:

بِالعِلمِ وَالمالِ يَبني الناسُ مُلكَهُ
لَم يُبنَ مُلكٌ عَلى جَهلٍ وَإِقلالِ

مع أول جرس لهذا العام، لا ننسى أن نتذكر ما حدث في العام الماضي من حوادث ومشكلات تأثر بها الكادر التعليمي قبل المجتمع، فخطوة السعادة لا تخلو من خطوة المخاطر. فالطالب أمانة منذ خروجه من بيت أسرته وحتى رجوعه إليه، فالكل مطالب بأن يحفظ هذه الأمانة، بداية من سائق الحافلة والمدرسة، وانتهاءً بسائق الحافلة عند رجوع الأطفال لمنازلهم، وأن يعوا جميعًا بأن هؤلاء الطلبة هم ثروة الوطن الحقيقية.

حفظ الله الجميع، وعام دراسي مبهج.
وكل عام دراسي وأنتم بخير وصحة وسلامة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights