مقالات صحفية

غزة بعد وقف إطلاق النار .. أين ذهبت وعود السلام؟

  أحمد الفقيه العجيلي 

منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، لم تتوقف معاناة الفلسطينيين.

وخلال الأشهر الماضية سقط أكثر من 1300 شهيد، وأصيب أكثر من 4300، فضلًا عما يجري في الضفة الغربية من قتل واقتحامات واستيطان وتهجير.

الأرقام وحدها كافية لطرح سؤال لا ينبغي أن يمر مرورًا عابرًا: إذا كان هناك وقف لإطلاق النار، فلماذا يستمر الموت؟

حين أُعلن الاتفاق، لم يكن الحديث عن مجرد هدنة مؤقتة، وإنما عن مسار يفترض أن يقود إلى وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإعادة إعمار غزة، وفتح الطريق أمام حل سياسي ينهي هذه المأساة.

وكان وراء هذا المسار وسطاء وضامنون، كما أُنشئ مجلس السلام لمتابعة تنفيذ الخطة والإشراف على مراحلها.

لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟

القتل لم يتوقف، والاعتداءات مستمرة، وسكان غزة ما زالوا يعيشون تحت وطأة الخوف والدمار، بينما يبدو أن الخطة التي قيل إنها ستضع حدًا للحرب تتآكل أمام أعين الجميع.

ولعل أكثر ما يلفت النظر أن كل ما تعرضت له غزة من قتل ودمار وتهجير لم ينتزع من أهلها تمسكهم بأرضهم وكرامتهم.

لقد دفع الفلسطينيون ثمنًا هائلًا لرفضهم واقعًا فُرض عليهم بالقوة، وكشفت هذه الحرب في الوقت نفسه حجم التناقض بين الخطاب الدولي عن حقوق الإنسان والسلام، وبين ما يجري على الأرض.

وهنا لا يعود السؤال عن تفاصيل الاتفاق بقدر ما يصبح سؤالًا عن جدوى الاتفاق نفسه.

ما قيمة أي خطة للسلام إذا لم تستطع حماية المدنيين؟

وما قيمة الضمانات إذا لم يكن هناك من يُلزم الطرف الذي يخرق الاتفاق بما تعهد به؟

وأين دور الوسطاء والضامنين عندما تستمر الخروقات ويُدفع المدنيون ثمنها؟

وأين مجلس السلام من كل ما يجري؟

هل يملك المجلس فعلًا الأدوات التي تمكنه من تنفيذ ما أُعلن عنه، أم أن وجوده تحول إلى إطار سياسي بلا قدرة حقيقية على فرض ما تم الاتفاق عليه؟

ثم ماذا عن خطة السلام نفسها؟

هل ما يحدث مجرد تعثر مؤقت في تنفيذها، أم أن الخطة تتجه عمليًا إلى الفشل؟

فالسلام لا يُقاس بما يُكتب في البيانات، ولا بعدد المؤتمرات والتصريحات، وإنما بقدرته على وقف القتل وحماية الإنسان ووضع حد للاحتلال والتهجير والدمار.

وإذا كانت الأطراف الدولية التي رعت الاتفاق قد أعلنت أن هذه هي الطريق إلى السلام، فإن مسؤوليتها لا تنتهي عند لحظة الإعلان والتوقيع، بل تبدأ بعدها.

فالضامن الحقيقي ليس من يشهد الاتفاق، وإنما من يستطيع أن يمنع انهياره.

والوسيط الحقيقي ليس من يجمع الأطراف حول الطاولة، وإنما من يمتلك القدرة والإرادة على إلزامها بما اتفقت عليه.

أما أن يستمر القتل، بينما تتعدد الجهات التي تتحدث عن السلام ولا تتوقف الحرب، فذلك يعني أن المشكلة لم تعد في غياب الخطط، وإنما في غياب الإرادة القادرة على تنفيذها.

غزة اليوم لا تحتاج إلى بيان جديد عن السلام، بقدر ما تحتاج إلى أن يتحول السلام من نص سياسي إلى واقع يعيشه الناس.

وتحتاج قبل ذلك إلى أن يسأل المجتمع الدولي نفسه: ماذا بقي من الوعود التي قُطعت؟ وماذا بقي من الضمانات التي أُعلنت؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية المدنيين عندما تفشل كل هذه الآليات في أداء مهمتها؟

هذه الأسئلة لم تعد مجرد أسئلة سياسية، بل أصبحت واجبًا أخلاقيًا على كل من تعهّد بوقف الحرب ورعاية السلام وحماية المدنيين.

أين خطة السلام؟

وأين مجلس السلام؟

وأين الضامنون والوسطاء؟

ومن سيوقف قتل الفلسطينيين عندما تفشل كل هذه الآليات في حمايتهم؟

غزة اليوم لا تطلب من العالم أن يكتب لها مزيدًا من البيانات، وإنما أن يثبت أن ما قيل عن السلام لم يكن مجرد كلمات.

فالسلام الذي لا يحمي الإنسان، ولا يوقف القتل، ولا يلزم المعتدي بما تعهّد به، يبقى مجرد عنوان جميل فوق واقع مؤلم.

وفي غزة، لم يعد المطلوب مزيدًا من الوعود، وإنما أن تتحول الوعود إلى فعل.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights