الغربة .. وطن الاشتياق
علياء السباعية
الغربة ليست مسافة تُقاس بالكيلومترات، ولا بعدد الساعات بين مطار ومطار. الغربة إحساس يسكن الصدر حتى وأنت واقف في منتصف بيتك، بين أهلك، وسط الزحام الذي يعرف اسمك. أحيانًا تكون الغربة داخلية أكثر مما هي جغرافية؛ أن تحس أنك لا تشبه المكان، أو أن المكان تغيّر ولم يعد يشبهك.
الاشتياق هو الوجه الآخر للغربة، توأمها الذي لا يفارقها. تشتاق لصوت أمك وهي تناديك من بعيد، لرائحة القهوة في بيت جدك، لطريق كنت تمشيه كل يوم دون أن تنتبه لتفاصيله، حتى بَعُدت عنه فصار كل حجر فيه ذكرى. الاشتياق لا يسأل عن الوقت المناسب؛ يزورك في لحظة عادية، وأنت تسمع أغنية قديمة، أو تشم رائحة تشبه رائحة بيت الطفولة، فينهمر عليك الحنين دفعة واحدة.
لكن في الغربة درس عميق: أنها تُعلّمك قيمة ما تركته خلفك. من لم يبتعد لا يعرف قيمة القرب، ومن لم يفتقد لا يقدّر ما كان بين يديه. الغربة تصقل الإنسان، تجعله أكثر تقديرًا لأصغر التفاصيل: مكالمة هاتفية، رسالة قصيرة، صورة عائلية قديمة.
وربما أجمل ما في الاشتياق أنه دليل على أن قلبك لا يزال حيًّا، متعلقًا بمن يستحق. فالذي لا يشتاق، لم يحب حقًّا. والذي لا يتألم من البعد، لم يقدّر القرب يومًا.
في النهاية، الغربة حالة عابرة مهما طالت، والاشتياق وقود يدفعنا للعودة، أو على الأقل للبقاء متمسكين بجذورنا أينما كنا. فكما تصمد النخلة في أرض غير أرضها وتبقى تعطي، يبقى الإنسان قادرًا على الصمود، محتفظًا بجذوره في القلب، حتى لو ابتعد عنها الجسد ومثل ما عبر الخليفه الاموي عبد الرحمن الداخل عن حنينه و اشتياقه لبلده حينما قال ل النخلة نَشَأْتِ بِأَرْضٍ أَنْتِ فِيهَا غَرِيبَةٌ … فَمِثْلُكِ فِي الإِقْصَاءِ وَالمُنْتَأَى مِثْلِي
كذالك انا اعبر عن شوقي ل جدتي رحمها الله ب ابيات
رحلتِ عني وطيفُكِ الباقي هنا
كالنورِ يسري في ظلامِ العالمِ
أشتاقُ شوقَ الغُربِ نحوَ ديارِهم
وأبكيكِ دمعًا هاطلًا كالمُغرمِ
شوقي كصقرِ قريشٍ في غربتِه
حين رأى النخلةَ حنَّ لعالَمِه



