مقالات صحفية

“دلشاد”

لولوة القلهاتي

من قرأ رواية (دلشاد) للروائية العمانية بشرى خلفان ربما لا يفهم لماذا حملت الرواية اسم الأب (دلشاد) بينما بطلة الرواية هي ابنته (مريم دلشاد). وبعض القراء يتساءلون:

دلشاد ظهر بكثافة في الجزء الأول من الرواية، ثم غاب في معظمها، وظهوره يكاد لا يُذكر في الجزء الثاني من الرواية مقابل ظهور مريم دلشاد، فلماذا حملت الرواية اسمه رغم أنه ليس الشخصية المحورية التي دارت حولها الرواية في الجزءين؟ وهذا سؤال منطقي من قارئ تقليدي عربي، تعوّد على أن لكل رواية أحداثًا وأن للأحداث أبطالًا، وأن للروايات نهايات، غالبًا تكون سعيدة، وقد تأتي حزينة في بعضها، أو قد تبقى النهاية مفتوحة على كل الاحتمالات في البعض الآخر، والتي لا يحبها القارئ العربي؛ لأنه أكسل من أن يجهد عقله في افتراض سردية حكائية داخل ذهنه ينهي بها الحكاية؛ فهو قد تَعَوَّد أن ينهي الكاتب عمله الروائي أو القصصي بطريقة القفلة الخاتمة المعتادة، ويوفر الجهد الفكري على قارئه المتعجل.

إن المفارقة في رواية دلشاد ليست في اسم (دلشاد) كما قد يظن القارئ لأول وهلة، وإنما في معناه. دلشاد بالأوردية (البلوشية) اسم علم مركب من اسم وصِفَة:
دل = قلب
شاد = فَرِح أو سعيد

والمفارقة، بحسب رأيي، والتي أزعم أنني فهمتها، هي أن الرجل الذي حمل هذا الاسم (القلب الفَرِحْ) في الرواية، منذ ولد لم يعرف الفرح، ولم تعرف الفرح والسعادة كذلك ابنته التي حملت اسمه. وللمفارقة كذلك أنها هي أيضًا حملت المعاناة ذاتها، ولم يكن ثَمَّ فرح في حياتها غير ابنتها التي حملت بها في لحظة سعادة خاطفة سريعة عاشتها مع زوجها، وضحكتها الغريبة التي ورثتها من طفولتها المبكرة عن أبيها.

وكأن الفرح في الرواية، كما في الحياة، يعاني في الوصول إلى متمنيه كما يعاني المتمني للفرح في الوصول إليه. فكلاهما، أي الفرح والإنسان المتمني للفرح وللسعادة، يدوران في حلقة مفرغة من المعاناة، والتوهان، والعراقيل، والصعوبات والأحزان، حتى يصل أحدهما إلى الآخر. وهنا أزعم كذلك أن الكاتبة كانت تقود القارئ بوعي منها، وبلا وعي منه، إلى فلسفة وجودية عميقة وبسيطة في آن واحد؛ ألا وهي أن رواية (دلشاد) هي نسخة مصغرة من الحياة؛ حياة البشر. فكلاهما، أي الرواية المتخيلة والواقع المعاش (الحياة)، فيهما أفراح صغيرة كالمنمنمات حيكت داخل حبكة الحياة كما حيكت داخل حبكة الرواية. أفراح قصيرة في تفاصيل صغيرة تمر في مُدَدٍ برقية خاطفة لا يُنتَبه لها ولا يُلقى لها بال؛ لما استحوذ على حياة الناس من التشاؤم والتعاسة والمكابدات اليومية والانشغالات والركض المحموم وراء لقمة العيش ووراء المعنى المُتَوَهَّم لسعادة القلوب.

وتعريف من هو الإنسان السعيد؟ وهل السعادة شيء حقيقي ملموس يمكن الوصول إليه وامتلاكه أم أنها ليست كذلك؟ وكأن الناس يريدون أن يلقوا القبض على الكائن الأسطوري المسمى سعادة ويعتقلونه عندهم ليبقى أبد الآبدين، وهذا لعمري مخالف لطبائع الأمور ومجرياتها منذ خلق الله الأرض وعَمَرَها ببني آدم. وكما يقول أبو الحسن التهامي في قصيدته المشهورة:

طُبِعت على كَدَرٍ وأنت تريدها
صَفواً من الأقذاءِ والأكدارِ

ومُكلّفُ الأيامِ ضد طباعها
مُتطّلبٌ في الماءِ جذوة نارِ

وإذا رجوت المستحيل فإنما
تبني الرَّجَاء على شَفيرٍ هارِ

إن إنسان الرواية كإنسان الحياة لن يعرف الراحة الكبرى لنفسه وقلبه، إلا على جسر من الآلام والشقاء والبؤس، وأن الأشياء لا تُعرف إلا بأضدادها. فلن يعرف الفرح إلا من انفطر قلبه حُزنًا، ولن يعرف الطعم الحلو إلا من ذاق الطعم المر، ولن يعرف معنى الصحة إلا من كان يومًا عليلًا على فراش المرض، ولن يعرف الشبع إلا من بات ليله وضجيعه الجوع، ولن يعرف معنى الارتواء إلا من شارف على الهلاك من شدة العطش، ولن يعرف الراحة إلا من كابد التَعبْ.

وأخيرًا أرادت الكاتبة بشرى خلفان أن توصل للقارئ نظرتها للحياة عبر رواية (دلشاد) من خلال خط حياة دلشاد وابنته مريم المتداخلة مع حياة أهالي مسقط ومطرح ما قبل اكتشاف النفط. وهو خط حياة طويل وقاسٍ، متعرج ومتموج، حمل سيرة الجوع والشبع والارتحال والإقامة والأحزان والأفراح والجهل والعلم والأمن والخوف، والحرب والسلم، والموت والحياة. تلقي الرواية في ذهن القارئ أن ليس ثمة خط مستقر وثابت للحياة. فالثبات والتوقف عن الجريان وعن السيولة وعن الهبوط والارتفاع يعني الموت. والحياة وسيرورتها مقترنة بالحركة الدؤوب والتذبذب وعدم الثبات.

ولعل في بيت الحكمة التالي ملخصًا بديعًا للرواية وللحياة:

بَصُرْتُ بالراحة الكُبرى فَلم أَرَها
تُنالُ إلا على جِسْرٍ من التَّعَبِ

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights