مقالات صحفية

مع بداية العام الدراسي ماذا نريد أن نبني؟ _التعليم مسؤولية مشتركة، وبناء الإنسان أساس التنمية_

علي بن مبارك بن خلفان اليعربي

مع بداية العام الدراسي الجديد، تعود المدارس إلى رسالتها، وتفتح الفصول أبوابها أمام أبنائنا الطلبة، ويبدأ المعلمون عامًا جديدًا من العطاء، وتستعد الأسر لمتابعة رحلة أبنائها في التعلم والنمو. ومع هذه البداية التي تحمل معها الكثير من الآمال والطموحات، تبدو الفرصة مواتية لأن نتوقف قليلًا أمام سؤال يتجاوز حدود اليوم الدراسي ومناهجه واختباراته: ماذا نريد أن نبني من خلال التعليم؟
هل نريد طالبًا يجتاز الاختبارات ويحصل على الدرجات فقط، أم نريد إنسانًا يتعلم كيف يفكر، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يتعامل مع الآخرين، وكيف يكتشف قدراته، وكيف يواجه الحياة ومتغيراتها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مسؤولية المدرسة وحدها، ولا المعلم وحده، ولا ولي الأمر وحده، ولا الطالب وحده؛ فالتعليم منظومة متكاملة، وكل طرف فيها شريك في صناعة النتيجة. وإذا كنا نطمح إلى تعليم يحقق المأمول منه، فإن علينا أن نؤمن بأن بناء الإنسان هو الغاية الأعمق للعملية التعليمية التعلمية، وأن نجاح التعليم أحد أهم المداخل لدفع عجلة التنمية الشاملة.
فالمدرسة ليست مكانًا لتلقين المعلومات وحفظها استعدادًا للاختبارات فقط، وإنما هي بيئة تتشكل فيها شخصية الطالب، وتتسع فيها مداركه، وتتكون فيها اتجاهاته نحو العلم والعمل والمجتمع والحياة. وفيها يتعلم كيف يفكر، وكيف يحاور، وكيف يتعاون، وكيف يختلف مع الآخرين باحترام، وكيف يتحمل مسؤولية قراراته، وكيف يتعامل مع النجاح والتعثر.
ومن هنا فإن جودة التعليم لا تقاس فقط بما ينجزه الطالب في ورقة الاختبار، وإنما بما يتركه التعليم من أثر في عقله ونفسه وشخصيته وسلوكه وقدرته على التعلم المستمر.
وهنا يأتي دور المعلم بوصفه أحد أهم أركان هذه العملية. فالمعلم لا يدخل الصف حاملًا كتابًا ومنهجًا فقط، بل يحمل رسالة ومسؤولية تتجاوز حدود المادة الدراسية. إنه يتعامل مع عقول مختلفة، وشخصيات متعددة، وقدرات متفاوتة، وظروف نفسية واجتماعية لا تتشابه بين طالب وآخر.
ولذلك فإن المعلم الناجح لا يكتفي بأن يسأل: كيف أشرح الدرس؟ وإنما يسأل أيضًا: كيف أجعل الطالب يفهم؟ وكيف أجعله يقبل على التعلم؟ وكيف أساعده على توظيف ما يتعلمه في حياته؟
فالمناهج الدراسية، مهما بلغت جودتها، تظل مادة مكتوبة، والمعلم هو الذي يمنحها الحياة داخل الصف، ويحّولها من صفحات جامدة إلى معرفة حية، وتجارب ومواقف، وفرص للتفكير والتطبيق. وهنا تبرز قيمة الفهم والإفهام؛ فليس المهم أن يصل المحتوى إلى الطالب فحسب، وإنما أن يصل إليه بصورة تجعله قادرًا على فهمه وربطه بواقعه والاستفادة منه.
وقد تكون للكلمة التي يقولها المعلم في موقف معين أثر في نفس الطالب يفوق أثر درس كامل؛ لأن الطالب يتعلم من معلمه العلم، لكنه يتعلم منه أيضًا طريقة التعامل، والاحترام، والانضباط، والثقة، والصبر، وقبول الآخر.
وفي الجانب الآخر، تأتي الأسرة بوصفها الشريك الذي لا يمكن أن تكتمل العملية التعليمية بعيدًا عنه. فولي الأمر لا ينبغي أن يكون حضوره مرتبطًا بالاختبارات والنتائج فقط، وإنما أن يكون حاضرًا في رحلة ابنه منذ بدايتها، يفهم احتياجاته، ويتابع تقدمه، ويستمع إلى مشكلاته، ويتواصل مع المدرسة، ويشجعه على تحمل مسؤوليته.
فالبيت هو المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الالتزام، والحوار، والمسؤولية، واحترام الوقت، وتقدير العلم والعمل. وإذا كان الطالب يجد في أسرته الأمان والثقة والتشجيع، فإنه يكون أكثر قدرة على مواجهة صعوبات التعلم والتعامل مع التعثر دون أن يفقد ثقته بنفسه.
وليس المطلوب من ولي الأمر أن يحل محل المعلم، وإنما أن يكون شريكًا واعيًا في التربية والتعلم؛ فنجاح الابن لا يصنعه الضغط المستمر، ولا المقارنة بالآخرين، وإنما تصنعه المتابعة الواعية، والتشجيع، والحوار، ومعرفة الفروق الفردية بين الأبناء.
أما الطالب نفسه، فهو ليس متلقيًا سلبيًا ينتظر من المدرسة والأسرة أن تصنعا نجاحه، وإنما هو محور العملية التعليمية وغايتها وشريك أساسي فيها.
فالطالب الذي يتعلم كيف يسأل عندما لا يفهم، وكيف يبحث عن المعرفة، وكيف ينظم وقته، وكيف يتعامل مع الخطأ، وكيف يطلب المساعدة عندما يحتاج إليها، إنما يكتسب مهارات سترافقه خارج المدرسة قبل أن تفيده داخلها.
ومن المهم هنا أن نعيد النظر في مفهوم النجاح. فالدرجات مهمة، والتفوق الدراسي هدف مشروع، لكن الطالب أكبر من درجة، وشخصيته أوسع من نتيجة اختبار. قد يتفوق طالب في مجال، ويتميز آخر في مجال مختلف، وقد يمتلك أحدهم موهبة لم يكتشفها بعد.
ولهذا فإن المدرسة مطالبة بأن تساعد أبناءها على اكتشاف ذواتهم وقدراتهم ومواهبهم، لا أن تجعلهم جميعًا يسيرون في قالب واحد.
وهنا تأتي أهمية الأنشطة المدرسية، والمبادرات، والعمل الجماعي، والمسابقات، والمواقف التطبيقية؛ فبعض المواهب لا تظهر من خلال الكتاب وحده، وإنما تظهر عندما يُمنح الطالب فرصة للتجربة.
قد يكتشف طالب في نشاط رياضي قدرته على القيادة، وقد يجد آخر نفسه في الإلقاء أو الإعلام أو التقنية أو التصميم، وقد يكتشف ثالث أنه يمتلك روحًا قيادية أو قدرة على العمل التطوعي وخدمة الآخرين.
إن كثيرًا من القدرات لا تظهر لنا ونحن نفكر فيها، وإنما تظهر عندما نجرب.
ولهذا فإن البيئة التعليمية الجاذبة ليست البيئة التي يخلو فيها الطالب من الخطأ، وإنما البيئة التي يستطيع فيها أن يخطئ ويتعلم ويصحح، ويسأل ويناقش، ويحاول دون خوف من السخرية أو التقليل من شأنه.
فالخطأ ليس نهاية التعلم، والتعثر ليس إعلانًا عن العجز، والنتيجة الأقل من المتوقع ليست حكمًا نهائيًا على مستقبل الطالب.
ومن هنا فإننا بحاجة إلى ثقافة تربوية تجعل السؤال مقبولًا، والمحاولة مقدرة، والخطأ فرصة للتصحيح، والنجاح مسؤولية، والتعثر تجربة يمكن التعلم منها.
وإذا أردنا أن ندعم العملية التعليمية التعلمية فعلينا أن ننظر إلى البيئة المدرسية بأكملها، لا إلى الحصة الدراسية وحدها. فالإدارة، والمعلم، والطالب، وولي الأمر، والأخصائيون، والأنشطة، والمرافق، والعلاقات الإنسانية داخل المدرسة، كلها عناصر تسهم في تشكيل التجربة التعليمية.
إن المدرسة التي يشعر فيها الطالب بالأمان والاحترام تكون أكثر قدرة على دفعه إلى التعلم، والمعلم الذي يجد التقدير والدعم يكون أكثر قدرة على العطاء، وولي الأمر الذي يشعر بأنه شريك حقيقي يكون أكثر استعدادًا للتعاون، وعندما تتكامل هذه الأطراف تصبح المدرسة بيئة قادرة على تحقيق أهدافها بصورة أعمق.
ولا يمكن أن نتحدث عن تطوير التعليم دون أن نتحدث عن تطوير المعلم ودعمه وتمكينه. فالمعلم هو أحد أهم الاستثمارات التي يمكن أن تقوم عليها أي منظومة تعليمية؛ وكلما أُتيح له التطور المهني، وتبادل الخبرات، ومراجعة الممارسات، واستخدام الأساليب الحديثة التي تناسب احتياجات المتعلمين، انعكس ذلك على جودة التعلم داخل الصف.
وفي المقابل، فإن التطوير لا يعني أن نحمّل المعلم مزيدًا من الأعباء فقط، بل يعني أن نوفر له بيئة تساعده على أداء رسالته، وتقدر جهوده، وتمنحه مساحة للتجديد والإبداع.
كما أن تطوير التعليم لا ينبغي أن يكون منفصلًا عن المتغيرات التي يشهدها العالم. فالطالب اليوم يعيش في عالم سريع التغير، تتسارع فيه المعرفة والتقنية، وتتغير فيه طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة. ولذلك فإن التعليم الذي نعد به أبناءنا للمستقبل لا ينبغي أن يقتصر على ما هو معروف اليوم، وإنما يجب أن يبني لديهم القدرة على التعلم والتكيف والتفكير والإبداع وحل المشكلات.
وهنا تتضح العلاقة بين التعليم والتنمية الشاملة.
فالتنمية لا تقوم على المباني والمشروعات والموارد وحدها، وإنما تقوم قبل ذلك على الإنسان القادر على إدارة هذه الموارد، وتطويرها، والابتكار فيها، والمحافظة على مكتسباتها، والمضي بها إلى آفاق أوسع.
والطالب الذي يجلس اليوم على مقعده الدراسي سيكون غدًا جزءًا من مختلف ميادين العمل والحياة؛ قد يكون معلمًا، أو طبيبًا، أو مهندسًا، أو باحثًا، أو رائد أعمال، أو متخصصًا في مجال جديد لم تتضح ملامحه بعد.
ولهذا فإن ما نبنيه اليوم في المدرسة لا يتوقف أثره عند جدرانها. فكل طالب نكتشف موهبته، وكل معلم ندعم رسالته، وكل أسرة نحسن إشراكها، وكل بيئة تعليمية نطورها، إنما تمثل في حقيقتها استثمارًا في مستقبل الوطن.
ومن هنا فإن المجتمع كله معني بدعم التعليم؛ لأن المدرسة لا تعمل في فراغ، وإنما تعمل داخل مجتمع له ثقافته وقيمه وتحدياته وطموحاته. وكل مؤسسة أو فرد أو مبادرة تسهم في دعم التعليم، أو تشجيع طالب، أو اكتشاف موهبة، أو مساندة معلم، فإنما تسهم في بناء جزء من المستقبل.
إننا لا نحتاج في بداية العام الدراسي إلى أن نرفع سقف التوقعات على أبنائنا فقط، بل نحتاج أيضًا إلى أن نرفع مستوى الدعم والثقة والشراكة من حولهم.
نحتاج إلى أن نسأل الطالب: ماذا تحتاج حتى تتعلم بصورة أفضل؟
وأن نسأل المعلم: ماذا تحتاج حتى تؤدي رسالتك بصورة أفضل؟
وأن نسأل ولي الأمر: كيف يمكن أن تكون شريكًا أكثر فاعلية في رحلة ابنك؟
وأن نسأل أنفسنا جميعًا: ما الذي نستطيع أن نفعله حتى تكون المدرسة أكثر قدرة على بناء الإنسان؟
إن هذه الأسئلة ليست ترفًا تربويًا، وإنما هي جزء من مسؤوليتنا تجاه أبنائنا وتجاه مستقبل وطننا.
ومع بداية العام الدراسي الجديد، لا ينبغي أن يكون طموحنا أن يمر عام آخر وينتهي، وإنما أن نخرج منه وقد تحقق تغيير حقيقي في الإنسان.
أن يكون الطالب أكثر علمًا ووعيًا، وأكثر قدرة على التفكير والتواصل وتحمل المسؤولية، وأن يكون المعلم أكثر تمكينًا وتجددًا، وأن تكون الأسرة أكثر وعيًا بدورها، وأن تكون المدرسة أكثر قدرة على احتضان الفروق الفردية واكتشاف المواهب وصناعة بيئة تعليمية جاذبة.
فإذا تحقق ذلك، فإننا لا نكون قد نجحنا في عام دراسي فحسب، وإنما نكون قد أضفنا لبنة جديدة في بناء الإنسان.
إن التعليم الذي نريده ليس تعليمًا ينتهي بانتهاء الاختبار، وإنما تعليم يترك أثرًا في الإنسان؛ تعليمًا يبني عقلًا يفكر، ونفسًا متزنة، وشخصية مسؤولة، وإنسانًا قادرًا على التعلم المستمر والإسهام في مجتمعه ووطنه.
وهذه مسؤوليتنا جميعًا.
فالمعلم لا يشرح درسًا فقط، بل يسهم في بناء إنسان.
وولي الأمر لا يتابع درجة فقط، بل يرافق ابنًا في رحلة نمو وبناء شخصية.
والطالب لا يذهب إلى المدرسة للحصول على شهادة فقط، بل يبني نفسه ويكتشف قدراته ويستعد لمستقبله.
ومن هنا، فإن بداية العام الدراسي ليست مجرد بداية في التقويم، وإنما فرصة لنبدأ نحن أيضًا بداية جديدة في طريقة تفكيرنا في التعليم، وفي نظرتنا إلى الطالب، وفي دعمنا للمعلم، وفي شراكتنا مع الأسرة، وفي إيماننا بأن بناء الإنسان هو الطريق الأعمق إلى التنمية الشاملة.
لقد بدأت رحلة عام جديد، فلنجعلها رحلة تعلم وبناء وشراكة وتطوير؛ رحلة لا يكون النجاح فيها مجرد رقم في كشف الدرجات، وإنما إنسانًا أفضل، وفكرًا أكثر وعيًا، وشخصية أكثر قدرة، ومجتمعًا أكثر استعدادًا لصناعة مستقبله.
فحين نبني الإنسان، فإننا لا نبني حاضرًا أفضل فحسب، بل نضع الأساس لمستقبل أكثر قدرة على العطاء والإنجاز والتنمية.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights