مقالات صحفية

التقاعد ليس نهاية الطريق بل بداية فصل جديد من الحياة (9)

_العطاء لا يعرف سن التقاعد_

علي بن مبارك اليعربي

من الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أنهم يربطون العطاء بسن معينة، أو بمنصب يشغله الإنسان، أو بوظيفة يؤديها. فإذا انتهت الوظيفة، أو تقدم العمر، ظنوا أن مرحلة العطاء قد انتهت، وأن ما بقي من العمر ليس إلا سنوات للراحة وانتظار الأيام.
غير أن التاريخ، والواقع، وتجارب الحياة، كلها تؤكد أن الإنسان لا يتوقف عن العطاء إلا إذا توقف عن الإيمان برسالته.
فكم من مشروع عظيم بدأ بعد التقاعد، وكم من كتاب أُلِّف في سنوات العمر المتأخرة، وكم من مبادرة مجتمعية انطلقت على يد رجال ونساء ظن البعض أن زمن الإنجاز قد مضى بالنسبة لهم، فإذا بهم يثبتون أن الخبرة حين تقترن بالإرادة تصنع أثراً لا تصنعه القوة وحدها.
إن مرحلة التقاعد ليست انسحاباً من الحياة، بل انتقال إلى شكل مختلف من أشكال العطاء. ففي الوظيفة كان الإنسان يؤدي مسؤوليات محددة، أما بعد التقاعد فإنه يصبح أكثر حرية في اختيار المجال الذي يشعر أنه الأقرب إلى رسالته، والأكثر نفعاً لوطنه ومجتمعه.
وقد يكون العطاء في هذه المرحلة أكثر صفاءً؛ لأنه يصدر عن قناعة، لا عن التزام وظيفي، وعن رغبة، لا عن تكليف. ولذلك نجد أن كثيراً من المتقاعدين يقدمون للمجتمع أعمالاً جليلة في التعليم، والإصلاح، والعمل التطوعي، والتأليف، والإرشاد، ونقل الخبرات، وهم لا ينتظرون من ذلك منصباً ولا مكافأة، وإنما يبتغون الأجر وترك الأثر.
ومن الجميل أن يدرك الإنسان أن العطاء لا يقتصر على الأعمال الكبيرة، فالكلمة الصادقة عطاء، والنصيحة المخلصة عطاء، وتعليم الأبناء والأحفاد عطاء، وإصلاح ذات البين عطاء، وغرس القيم في النفوس عطاء، والابتسامة التي تبعث الأمل في قلب إنسان عطاء.
ولهذا فإن المجتمع يحتاج إلى المتقاعد كما يحتاج المتقاعد إلى المجتمع. فالأول يستفيد من خبراته، والثاني يجد في المشاركة حياة متجددة، وشعوراً دائماً بقيمته ودوره.
إن أخطر ما يواجه الإنسان بعد التقاعد ليس نقص الوقت، وإنما نقص الدافع. فإذا بقيت الرسالة حية في القلب، بقيت الحياة عامرة بالإنجاز، مهما تقدم العمر.
ولعل أجمل ما في هذه المرحلة أنها تمنح الإنسان فرصة ليختار نوع الأثر الذي يريد أن يتركه بعده. فالمناصب لا تدوم، والثروة قد تزول، أما العمل الصالح، والعلم النافع، والخلق الحسن، فهي البصمة التي تبقى في ذاكرة الناس، وفي صحيفة أعمال الإنسان.
إننا بحاجة إلى أن نغير نظرتنا إلى العمر، فلا نجعله مقياساً لقدرة الإنسان على العطاء، بل نجعله رصيداً من الحكمة والخبرة. فكل سنة يعيشها الإنسان بإيمان وعمل تضيف إلى رسالته عمقاً، وإلى عطائه قيمة.
وفي النهاية، فإن الإنسان لا يُسأل عن عدد السنوات التي عاشها، وإنما عن الأثر الذي تركه فيها. فمن جعل حياته رسالة، لم يكن التقاعد نهاية لعطائه، بل بداية لمرحلة أكثر نضجاً، وأكثر إخلاصاً، وأكثر أثراً.
فالعطاء لا يعرف سن التقاعد، لأنه يولد من القلب، ويغذيه الإيمان، وتوجهه الحكمة، ويبقى أثره ما بقي الخير في الناس.
ومن أدرك هذه الحقيقة، عاش عمره كله وهو ينتقل من رسالة إلى رسالة، ومن عمل إلى عمل، ومن أثر إلى أثر، حتى يلقى ربه وقد ترك في الحياة ما يشهد له بالخير، ويجري له أجره بعد رحيله.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights