الخواطر

من نكون .. حين لا يرانا أحد

     نورة الدرعية

نولد على هذه الأرض صغارًا لا نعرف عن الدنيا شيئًا، لا نفهم من نحن ولا ما نريد لكن في داخل كلٍّ منا منذ اللحظة الأولى تبدأ رحلة خفيّة (رحلة البحث عن الذات)
نعيش نكبر ونختبر الحياة بكل نكهاتها نظن أننا نبحث عن وظيفة أو حب أو مال أو معنى
لكن الحقيقة؟ نحن نبحث عن “أنفسنا”
من أنا؟
ما الذي أريده حقًا؟
هل أنا هذا الجسد فقط؟ هل أنا ما أنجزت؟ أم ما خسرت؟
هل أنا ما يراه الناس، أم ما أخفيه عنهم
وفي الحقيقة، نحن غالبًا نعيش بين صورتين:
الصورة التي نُظهرها، والصورة التي نُخفيها
ولكن الصورة الحقيقية هي التي لا تحتاج لأحد أن يراها لأنها باقية معنا حتى بعد أن يرحل الجميع هي تلك النسخة التي تصلي وحدها وتفكر وحدها وتخاف وتحب وتشتاق دون جمهور يشاهدها
إننا أكثر من مجرد مظهر خارجي وربما تكون أعماقنا أعمق وأصدق من كل ما نُظهره، وهنا يكمن التحدي الأكبر: أن نكتشف من نحن حقًا بعيدًا عن عيون الناس وأحكامهم فالذات الحقيقية ليست الظاهرة غالبًا بل في اللحظات التي لا نشاركها مع أحد
مراحل هذه الرحلة مؤلمة وجميلة في آن واحد
تبدأ غالبًا عندما يتوقف الضجيج حولك فجأة لا يعود العالم كما كان ولا يعود قلبك كما اعتدت عليه تجلس وحيدًا تنظر لنفسك وكأنك تراها لأول مرة وتشعر أنك غريب في جسدك وغريب بين الناس فتبدأ رحلة العودة
لكن العودة إلى أين؟ إلى جوهرك وإلى حقيقتك إلى الله
في هذه الرحلة نكتشف
أننا لا نُعرف بما نملك بل بما نحن عليه حين نخسر كل شيء وأن أكثر الأماكن وحشة هو أن تكون غريبًا عن نفسك وأنت بين الجميع
والسلام لا يأتي من الخارج بل من ترتيب فوضاك الداخلية ولا أحد يستطيع أن يخبرك من أنت سواك أنت
واخيرًا أن الله أقرب إليك من كل محاولاتك لفهم نفسك وأنه وحده من يعرفك حين تجهل ذاتك
وهنا يُولد النضج لا بالصوت العالي ولا بالنجاح المدوّي بل بالهدوء الذي يهمس لك: أنا لست كما كنت، وأخيرًا، بدأت الاقتراب منّي
هناك قصيدة تحكي هذه الرحلة
القصيدة الخالدة لـ إيليا أبو ماضي يقول فيها:
جئتُ، لا أعلمُ من أينَ، ولكنّي أتيتُ
ولقد أبصرتُ قدّامي طريقًا فمشيتُ
وسأبقى ما شياً، إن شئتُ هذا أم أبيتُ،
كيف جئتُ؟ كيف أبصرتُ طريقي؟ لستُ أدري
وماذا بعد؟
بعد كل هذا البحث لا تحصل على “إجابة واحدة نهائية” بل تبدأ بالتعايش مع نفسك بلُطف
تتوقف عن معاقبتها تغفر لها تحتضنها وتتقبّل أنك في تطوّر دائم وأنك كل يوم تكتشف فيك شيئًا جديدا
رسالة أخيرة لك أيًا كان مكانك في رحلتك
إذا كنت لا تزال تفتّش وتتساءل وتتعثر فاعلم أنك بخير من لا يشعر بالضياع أحيانًا لم يبدأ الرحلة
وكل من عاد لنفسه عاد إلى ربه وكل من وجد ربه وجد روحه وسكن قلبه.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights