بين الأمس واليوم .. ماذا تبدّل فينا؟
أثير بنت محمد السعدية
بين الأمس واليوم، لم تتغير الأيام وحدها بل تغيرنا نحن أيضًا كبرنا قليلًا وتعلمنا كثيرًا وخسرنا أشياء لم نكن نظن يومًا أننا سنفقدها وربحنا أشياء لم نكن نعرف أننا نحتاج إليها.
في الأمس، كنا نرى الحياة ببساطة. كانت فرحتنا صغيرة لكنها كانت تكفينا. كان يكفينا لقاء من نحب أو كلمة جميلة أو جلسة تجمعنا بمن نأنس بهم. كنا نضحك من القلب ونثق بسرعة ونمنح مشاعرنا دون حساب ونظن أن كل من حولنا سيبقى كما هو.
أما اليوم، فقد علمتنا الحياة أن ليس كل من نحب سيبقى وليس كل من نثق به سيحفظ ثقتنا وأن بعض الوجوه التي أحببناها ستصبح مجرد ذكرى وبعض الأماكن التي كانت تسعدنا ستصبح مرتبطة بأشخاص لم يعودوا فيها.
كبرنا، فأصبحنا أكثر صمتًا وأكثر تفكيرًا وأقل قدرة على شرح ما نشعر به. لم نعد نحكي كل شيء ليس لأننا لا نملك الكلام بل لأننا أدركنا أن بعض المشاعر لا يدركها إلا من عاشها.
بين الأمس واليوم، تعلمنا أن الحياة لا تسير دائمًا كما نتمنى وأن بعض الأبواب التي أغلقت في وجوهنا كانت رحمة وبعض الأشخاص الذين ابتعدوا عنا كان ابتعادهم حماية وبعض الأمنيات التي تأخرت ربما كان تأخرها خيرًا لا نعرفه بعد.
تعلمنا أن الإنسان لا يُقاس بعدد من حوله بل بمن يبقى معه حين تتغير الظروف. وأن أجمل العلاقات ليست تلك التي تبدأ بالكلام الكثير وإنما تلك التي تثبتها المواقف وتحفظها الأيام وتؤكدها الشدائد.
وفي الأمس، كنا نبحث عن السعادة في أشياء كثيرة أما اليوم فأصبحنا نعرف أن السعادة قد تكون في راحة البال وفي قلبٍ مطمئن وفي أهلٍ بخير، وفي شخصٍ صادق وفي ليلةٍ هادئة لا تحمل لنا من التفكير إلا القليل.
ومع كل ما تغير لا ينبغي أن نندم على النسخة القديمة منا فقد كان ذلك الإنسان يفعل ما يستطيع بما كان يعرفه وقتها أخطأ وتعلم وأحب وتألم وسقط ثم نهض وكل تجربة مررنا بها تركت فينا شيئًا حتى تلك التجارب التي تمنينا لو لم نخضها.
ربما لم نعد كما كنا، وهذا ليس بالضرورة أمرًا سيئًا فبعض التغيّر نضج، وبعض المسافة حكمة وبعض الصمت راحة وبعض النهايات بداية لحياة أكثر وضوحًا.
بين الأمس واليوم فقدنا أشياء لكننا وجدنا أنفسنا. تغيرت وجوه، وتبدلت ظروف وانتهت مراحل وبدأت أخرى وبقي شيء واحد علينا ألا نفقده مهما تغيرت الحياة: قلوبنا وأملنا وإيماننا بأن القادم قد يكون أجمل.
فالحياة لا تطلب منا أن نبقى كما كنا، بل أن نتعلم كيف نمضي قدمًا وأن نأخذ من الأمس دروسه لا آلامه وذكرياته الجميلة لا حسرة ما مضى.



