المساعدة الزائفة أخبث من التخلي المعلن
أحمد الفقيه العجيلي
أحيانًا لا يكون أقسى ما يمكن أن يفعله بك أحدهم أن يتخلى عنك، بل أن يوهمك بأنه إلى جانبك، بينما هو في الحقيقة لا يفعل شيئًا يمكن أن ينقذك.
التخلي المعلن، على قسوته، واضح. يخبرك صاحبه بأنه لن يساعدك، أو يتركك تدرك ذلك بنفسك.
قد يؤلمك، لكنه لا يخدعك؛ فأنت تعرف موقفك، وتبدأ في البحث عن طريق آخر.
أما المساعدة الزائفة، فهي أشد قسوة.
في المشهد الذي استوقفني، شخص يقبع في الأسفل ويحتاج إلى من ينقذه، وبالقرب منه من يملك وسيلة الإنقاذ؛ سلّم يمكن أن يوصله إليه بسهولة.
لكن بدل أن يدفع إليه السلم، يكتفي بمد يده من بعيد، فيبدو وكأنه يحاول إنقاذه، بينما لا يقدم له وسيلة حقيقية للخلاص.
وهنا تكمن المفارقة.
ليست كل يد ممدودة يدًا للإنقاذ، فبعض الأيدي تمتد لتُرى فقط، وهذا يحدث في حياتنا أكثر مما نتصور.
كم من شخص قال لك: «أنا معك»، و«لا تقلق، سأساعدك»، و«الأمر منتهٍ»، و«سأتابع الموضوع»، ثم تركك معلقًا في انتظار وعد لا يأتي؟
وفي العمل تحديدًا، قد يكون الأمر أشد إيلامًا حين يكون ما تنتظره حقًا لك، أو فرصة تستحقها، أو قرارًا يستطيع صاحب الصلاحية اتخاذه، لكنه يظل يؤجل ويعد ويطمئنك دون أن يحدث شيء، وقد لا يكون كل ذلك خداعًا متعمدًا.
فبعض الناس يخدعك لأنه لا يريد أن يتحمل تبعات الرفض، وبعضهم يعدك لأنه لا يملك شجاعة أن يقول «لا»، وبعضهم يتردد في اتخاذ القرار، فيتركك معلّقًا بين الأمل والانتظار. وهناك من يرغب في المساعدة فعلًا، لكنه لا يملك القدرة أو الصلاحية التي أوحى لك بأنه يملكها.
لكن النتيجة قد تكون واحدة في النهاية: أنت الذي دفعت ثمن التردد، وأهدرت وقتك في انتظار شيء لم يحدث.
وأحيانًا لا يكون أخطر ما في الوعد الكاذب أنه لم يتحقق، وإنما أنه منعك من البحث عن بديل.
فلو قيل لك منذ البداية: «لا أستطيع»، لربما بحثت عن طريق آخر. لكن حين يُبقى باب الأمل مفتوحًا، تظل واقفًا أمامه، تنتظر من يملك مفتاحه ولا يفتحه.
لهذا أحيانًا يكون التخلي الصريح أرحم من المساعدة الزائفة.
فالكلمة الواضحة، مهما كانت مؤلمة، تمنحك فرصة لتعيد ترتيب خطواتك.
أما الوعد الذي لا يتبعه فعل، فيستهلك طاقتك، ويؤخر قرارك، وربما يجعلك تسقط مرة أخرى بعد أن ظننت أن يدًا ستمسك بك.
ليس المطلوب من الناس أن يساعدونا دائمًا، ولا أن يفعلوا ما لا يستطيعون، كل ما نريده أحيانًا هو الوضوح، إذا كنت تستطيع، فافعل، وإذا كنت لا تستطيع، فقلها بصدق.
أما أن تملك السلم، وتتركه جانبًا، ثم تقف على الحافة تمد يدك لمن في القاع، فهذه ليست مساعدة.
إنها صورة أخرى من صور الخذلان، وربما كانت أشدها ألمًا؛ لأن صاحبها لا يسلبك العون فقط، بل يمنحك في الوقت نفسه وهمًا بأن العون قادم.
وما أكثر من يملكون السلالم في حياتنا، لكنهم يفضلون الوقوف على الحافة!



