مقالات صحفية

غزّة في ضمير الأحرار

   محمد بن سعيد العلوي

في زمنٍ تتزاحم فيه الأخبار، وتتوالى فيه الأحداث حتى يكاد الإنسان يعتاد مشاهد الألم، تبقى هناك قلوبٌ اختارت ألا تنسى، وأن تظل حاضرةً بالرحمة، والدعاء، والمواساة، والكلمة الطيبة. قلوبٌ لم تُطفئ الأيام الطويلة نور التعاطف في صدورها، ولم تجعلها قسوة المشاهد تنسى أن خلف الأرقام والعناوين بشرًا لهم أرواح، وبيوت، وأحلام.

بارك الله في أولئك الذين ما زالوا يحملون همَّ أهل غزّة، ويقفون بقلوبهم مع أهلها، ومع كل مستضعفٍ ومظلوم في أي مكان. لم تُغيّرهم الأيام، ولم تُضعف ثباتهم كثرة الأحداث، ولم يجعل مرور الوقت سببًا للنسيان أو الفتور. بقوا يسألون، ويتابعون، ويتألمون، ويرفعون أكفّ الدعاء، مؤمنين بأن الحق لا يضيع، وأن الظلم مهما طال فله نهاية، وأن الله ناصر المظلومين وأهل الحق.

لقد استشعرت هذه القلوب معنى الأخوّة التي دعا إليها الإسلام، قال الله تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾.

فالأخوّة ليست كلمةً تُقال، بل مسؤوليةٌ تُحمل، ورحمةٌ تُترجم إلى موقف، ودعاء، ومواساة، وعمل صالح. وهي أن يبقى الإنسان حاضر القلب تجاه آلام إخوانه، مهما تباعدت المسافات، أو طال أمد المحنة.

وقد قال رسول الله ﷺ:

«مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى».

وهذا الحديث العظيم يذكّرنا بأن معاناة المظلوم لا ينبغي أن تكون خبرًا عابرًا، بل قضيةً تجد صداها في القلوب التي ما زالت تنبض بالرحمة، وتؤمن بأن الإنسانية الصادقة لا تعرف حدودًا ولا تتغير بتغيّر الأيام.

إن الذين ثبتوا على نصرة المظلومين ربما لم يملكوا القدرة على تغيير كل شيء، لكنهم امتلكوا ما هو أعظم؛ قلبًا حيًّا، وموقفًا ثابتًا، وإيمانًا بأن نصرة الحق لا تُقاس بحجم القدرة وحدها، وإنما بصدق النية، وثبات المبدأ، وعدم التخلي عن القيم. فقد تكون دعوةٌ صادقة سببًا في فرج، أو كلمةُ مواساة بلسمًا لقلبٍ مثقل، أو موقفٌ نبيل شاهدًا على أن الخير ما زال حاضرًا في هذه الأمة.

قال الله تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.

فالتعاون على الخير لا يكون بالمال أو الجهد فحسب، بل بكل ما يستطيع الإنسان أن يقدّمه من دعمٍ، ورحمةٍ، ودعاء، وكلمة حق، وموقفٍ كريم.

ولقد علّمنا القرآن أن العبرة ليست دائمًا بكثرة العدد، وإنما بصدق الإيمان والثبات على المبادئ، قال تعالى:

﴿وَكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

فالقيمة ليست في كثرة الأصوات، وإنما في صدق المواقف، وإخلاص النيات، ورحمة القلوب. قد يكثر المتحدثون، لكن القليل منهم يبقى ثابتًا حين يطول البلاء، ويحمل همّ المظلومين دون انتظار مقابل.

إن الوقوف مع أهل غزّة، ومع كل مظلوم، ليس موقفًا سياسيًا فحسب، بل هو قبل ذلك موقفٌ إنساني وأخلاقي، تدعو إليه الفطرة السليمة، وتؤكده القيم الإسلامية التي تحث على نصرة المظلوم، والرحمة بالمبتلى، وإغاثة المحتاج بما يستطيع الإنسان من قولٍ أو فعلٍ أو دعاء.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

وقال رسول الله ﷺ:

«الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».

فيا لها من نعمة أن يبقى في الأمة من يحمل هذه الروح، ومن يرفض أن يصبح الألم خبرًا يُقرأ ثم يُنسى، أو أن تتحول معاناة البشر إلى أرقامٍ تفقد معناها مع مرور الأيام.

نسأل الله العلي القدير أن يفرّج كرب أهل غزّة، وأن يحفظ المستضعفين والمظلومين في كل مكان، وأن يرفع عنهم البلاء، ويجبر كسرهم، ويربط على قلوب من فقدوا عزيزًا أو بيتًا أو أمنًا، وأن يرزقهم الصبر والثبات، وأن يجعل العدل والرحمة سبيلًا لرفع الظلم وإعادة الحقوق إلى أهلها.

وستبقى غزّة في ضمير الأحرار، ما بقي في القلوب إيمانٌ بالعدل، ورحمةٌ بالمظلوم، وإحساسٌ بمعنى الأخوّة والإنسانية. فالقيمة ليست في كثرة الواقفين، وإنما في صدق من ثبتوا على الخير، ولم يجعلوا طول المحنة سببًا للنسيان، بل ظلّت قلوبهم معلّقة بالدعاء، وعقولهم مؤمنةً بأن الحق لا يموت، وأن الله لا يضيع أجر المحسنين.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights