استعمال برامج التواصل بكثرة يُعطّل التفكير
خليفة بن سليمان المياحي
إنَّ برامج التواصل الاجتماعي التي باتت موجودة في كل ناحية وصوب، ورافقت الإنسان في مختلف تفاصيل حياته، إنما وُجدت في الأساس لخدمته، وتقديم وسائل سريعة للتواصل، وتوفير العديد من الخدمات والاستخدامات التي تعود عليه بالنفع والفائدة، وتختصر له الكثير من الوقت والجهد. ولا شك أن هذه البرامج أصبحت جزءًا مهمًا من حياتنا اليومية، وأسهمت في تقريب المسافات، وسهّلت الحصول على المعلومات، وأتاحت للإنسان الوصول إلى ما يريد في وقت قصير وبجهد محدود. غير أن المشكلة لا تكمن في وجود هذه البرامج أو استخدامها، وإنما في الإفراط في الاعتماد عليها، وتحويلها من وسيلة مساعدة للإنسان إلى وسيلة يعتمد عليها في كل صغيرة وكبيرة.
فحين يصبح الإنسان معتادًا على أن يبحث عن كل معلومة، وأن يجد إجابة لكل سؤال، وأن يستعين بالهاتف في كل أمر، فإنه قد يفقد شيئًا من قدرته على التفكير والتأمل والبحث بنفسه. فالعقل مثل أي قدرة أخرى يحتاج إلى التدريب والممارسة ليحافظ على نشاطه وقوته. وإذا اعتاد الإنسان أن يترك مهمة التفكير للآخرين أو للبرامج والأجهزة، فإن ملكة التفكير لديه قد تضعف تدريجيًا. ولعل من أخطر ما يمكن أن يترتب على الإفراط في استخدام هذه الوسائل هو تعطيل التفكير التلقائي لدى ذاكرة الإنسان. فعندما أريد معرفة معلومة بسيطة، أو أبحث عن فكرة، فأول ما أفعله هو اللجوء إلى الهاتف والبرامج المتاحة، دون أن أمنح عقلي فرصة للتفكير أو المحاولة أو استرجاع ما لدي من معلومات وخبرات. ومع مرور الوقت يتحول هذا السلوك إلى عادة تجعل الإنسان أقل صبرًا على التفكير، بل وأقل رغبة في البحث والتأمل، وأكثر اعتمادًا على الإجابات الجاهزة. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن العقل الذي منحه الله سبحانه وتعالى للإنسان نعمة عظيمة يحتاج إلى أن نستخدمه ونمرّنه، لا أن نجعله في حالة من الخمول الدائم والسبات العميق.
وهذا الأمر لا يقتصر علينا نحن الكبار، بل مع الصغار يكون أكثر خطرًا؛ لأن الطفل في مرحلة بناء شخصيته وتنمية قدراته العقلية. ومع ذلك أصبحنا في كثير من الأحيان نسارع إلى إعطائه الهاتف أو الجهاز اللوحي بمجرد أن يطلبه، بحجة تسليته أو إسكاته أو منحه شيئًا من الهدوء والراحة. وقد يبدو الأمر في بدايته بسيطًا وسهلًا، لكن الطفل الذي يعتاد منذ صغره على أن يجد التسلية دائمًا أمام شاشة، وأن يحصل على الإجابة دون أن يبحث عنها بنفسه، وأن ينتقل من مقطع إلى آخر دون أن يمنح نفسه فرصة للتأمل أو اللعب أو الحوار، قد يفقد تدريجيًا بعض المهارات التي يحتاج إليها في حياته، كالصبر والتركيز والقدرة على الحوار وحل المشكلات. فالطفل لا يحتاج إلى الهاتف طوال الوقت حتى يكون سعيدًا. بل في الحقيقة، ومن وجهة نظري، يحتاج إلى الحديث مع أسرته، واللعب مع أقرانه، وممارسة القراءة والهوايات التي يحبها، والتفاعل مع الآخرين بإيجابية، واكتشاف الأشياء من حوله. وهذه الأمور وإن بدت بسيطة إلا أنها تسهم وتساعد في بناء شخصيته وتنمية عقله وقدراته.
ولا يعني ذلك أن نحرم أنفسنا وأبناءنا من التقنية الحديثة، فهذا أمر يصعب تحقيقه في هذا العصر، كون التقنية أصبحت ضرورة في كثير من مجالات الحياة. وإنما المطلوب هو الاستخدام المتوازن والواعي، بحيث تبقى التقنية وسيلة في أيدينا، ولا تتحول إلى وسيلة تتحكم في أوقاتنا وعقولنا وحياتنا.
ومن المهم كذلك أن نتعلم نحن الكبار قبل الصغار أن نتوقف أحيانًا عن البحث السريع، وأن نحاول أن نتذكر ونفكر ونستنتج بأنفسنا. فإذا واجهتنا مسألة فلنمنح عقولنا بعض الوقت قبل أن نفتح الهاتف ونبحث عن الإجابة. وأقول هذا عن تجربة شخصية، فأنا كنت أحفظ جميع أرقام هواتف أسرتي وأصحابي عندما كنا نستخدم الهواتف الثابتة، وما إن وصلت الهواتف النقالة حتى فقدت جزءًا كبيرًا مما كان راسخًا في ذهني، وما ذلك إلا بسبب اعتمادي على ذاكرة الجهاز.
إن الإنسان لا يحافظ على قوة عقله بكثرة المعلومات التي يحصل عليها فقط، وإنما أيضًا بقدرته على التفكير. ولذلك فإن الاستخدام المفرط للتقنية الحديثة إذا لم يصاحبه تنظيم قد يجعل الإنسان أكثر اطلاعًا من جهة، لكنه أقل ممارسة للتفكير من جهة أخرى. إن ما نحتاج إليه اليوم ليس الابتعاد عن التقنية، وإنما أن نضع لها حدودًا واضحة في التعامل معها في حياتنا، وأن نعرف متى نستخدمها ومتى نستغني عنها، وأن نمنح عقولنا وقتًا للتفكير، وأبناءنا وقتًا للعب والتعلم والحوار والتجربة. فالتقنية نعمة حين نحسن استخدامها، لكنها قد تتحول إلى نقمة وعبء حين نعتمد عليها في كل شيء. ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لعقولنا ولأبنائنا هو ألا نسمح للأجهزة بأن تفكر نيابة عنا، بل نجعلها أدوات تساعدنا على التفكير والبحث والتعلم.
فالعقل نعمة، وكل نعمة تحتاج إلى رعاية وحسن استخدام، ومن لا يستخدم عقله قد يفقد مع مرور الوقت شيئًا من القدرة التي وهبه الله إياها.



