رواية: قبل أن تختفي الدقيقة الأخيرة الفصل الثالث — الدقيقة المفقودة
ميمونة بنت علي الكلبانية
لم تنم رهف تلك الليلة.
منذ أن ظهر العدّاد على هاتفها، وهي تحدق في الأرقام التي تتناقص ببطء.
٠٠:٤٢
٠٠:٤٤
كل ثانية كانت تمرّ كأنها تسحب شيئًا من روحها.
تحركت أصابعها نحو زر الإغلاق في محاولة لوضع حدّ لما يحدث.
لم تستطع.
أطفأته.
عاد للعمل وحده.
نزعت البطارية الخارجية التي كانت تشحنه، ومع ذلك بقيت الشاشة مضيئة.
وكأن شيئًا ما في الداخل يرفض أن يتوقف.
عند بزوغ الفجر، خرجت من المنزل متجهة إلى الجسر القديم.
كانت السماء رمادية، والقرية غارقة في ضباب كثيف.
وعندما وصلت، كان هناك شخص يقف فوق السور الحديدي للجسر.
الشاب نفسه الذي رأته في الرسالة.
طويل القامة.
يرتدي معطفًا أسود.
وينظر إلى الوادي بصمت.
اقتربت منه بحذر.
وقبل أن تنطق بكلمة، قال:
تأخرتِ دقيقة.
تجمدت في مكانها.
كيف تعرف أنني قادمة؟
التفت نحوها.
كانت عيناه تحملان حزنًا غريبًا.
لأنني كنت أنتظرك منذ سنوات.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
من أنت؟
ساد الصمت للحظات.
ثم أجاب:
اسمي أيمن.
وهل أرسلتَ الرسائل؟
هزّ رأسه نفيًا لذلك.
لا.
إذًا من فعل؟
نظر إلى ساعة يده.
ثم قال بصوت منخفض:
الوقت نفسه.
حاولت فهم ما يحدث، فازدادت حيرتها وتشابكت أفكارها.
لكن قبل أن تسأله أكثر، أخرج من جيبه صورة قديمة.
مدّها نحوها، فمدّت يدها لتأخذها.
نظرت رهف إلى الصورة.
وكانت الصدمة.
الصورة التُقطت قبل سنوات.
وفيها كانت تقف هي..
بجانب أيمن.
كأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن طويل.
سقطت الصورة من يدها.
هذا مستحيل…
همست.
أنا لم أرك من قبل.
أجابها بهدوء:
هذا ما يريدونك أن تصدقيه.
ارتجف قلبها.
من هم؟
لكن أيمن لم يجب.
بل أشار إلى الجهة الأخرى من الوادي.
هناك.
كانت ساعة القرية الكبيرة.
العقارب تشير إلى الحادية عشرة وإحدى عشرة دقيقة.
١١:١١
تمامًا.
وفجأة…
توقف كل شيء.
توقفت السيارات.
تجمدت الطيور في السماء.
وسكن الهواء.
أما رهف، فبقيت قادرة على الحركة.
نظرت حولها بذهول.
ماذا يحدث؟!
قال أيمن وهو يحدق في الساعة:
لقد بدأت الدقيقة المفقودة.
أي دقيقة؟
تنهد ببطء.
ثم قال:
الدقيقة التي اختفت من حياتك يوم الحادث.
ضربتها الصدمة بقوة، حتى خُيّل إليها أن الأرض تتماوج تحتها كأمواج البحر.
أي حادث؟
رفع عينيه نحوها.
وكان الخوف واضحًا فيهما.
الحادث الذي متِّ فيه.
وفي تلك اللحظة.
انفجرت في رأس رهف ذكرى خاطفة.
صوت فرامل عنيف تردّد في أعماق ذاكرتها.
زجاج يتحطم.
صرخة تعرفها جيدًا.
ثم ظلام كامل.
وضعت يديها على رأسها وهي تتراجع.
كانت الذكرى قصيرة جدًا.
مجرد دقيقة.
دقيقة واحدة فقط.
لكنها كانت كافية لتزرع في قلبها سؤالًا لم تجرؤ على طرحه من قبل.
ماذا لو أنني فارقت الحياة بالفعل؟
يتبع
الجزء الرابع: مات أخي…
