مقالات صحفية

الرستاق: إستراتيجية الربط بين المحافظات ودفع التنمية

د. خميس بن حمدان الغافري

عضو مجلس الشورى – ممثل ولاية الرستاق

بالنظر إلى الحدود الإدارية للرستاق، نجد ولاية واسعة تتوزع قراها بين السهل والوادي والجبل، ولها احتياجاتها من الطرق والخدمات والمشروعات، وتبقى هذه النظرة -على أهميتها- لا تكشف القيمة الكاملة لموقع الولاية؛ إذ يجب أن ننظر إلى الرستاق من خلال علاقتها بالمحافظات والمراكز الاقتصادية المحيطة بها.

ومن هذه الزاوية تظهر صورة مختلفة؛ فالرستاق ترتبط بمحافظة الظاهرة عبر طريق الرستاق–عبري المار بوادي بني غافر، وتتصل بمحافظة الداخلية عبر وادي بني عوف، وتنفتح شرقًا على ولاية العوابي وسهل الباطنة ومحافظة مسقط، كما تقع على مسافة قريبة من مدينة خزائن الاقتصادية.

وبناءً عليه نجد أننا نتحدث عن شبكة ربط تمنح الولاية دورًا مهمًّا في حركة السكان والتجارة والسياحة والخدمات بين عدد من محافظات سلطنة عُمان.

ومع ذلك، ما زالت هذه الطرق تُناقش غالبًا بوصفها ملفات منفصلة؛ طريق يحتاج إلى ازدواجية، وآخر يحتاج إلى رفع الكفاءة، ومسار جبلي يحتاج إلى تحسين السلامة والخدمات، وفي هذه التجزئة تضيع القيمة الإستراتيجية للصورة الكاملة، وتظهر المشروعات وكأنها مطالب محلية تخص ولاية الرستاق وحدها.

أما الواقع فيُظهر أن الجدوى الإستراتيجية الوطنية تنطلق من النظر إلى طرق الرستاق باعتبارها حزمة ربط وتنمية مترابطة، وأن تُقيّم في مصفوفة أولويات المشروعات وفق عدد المحافظات والقرى والقطاعات التي تخدمها، وحجم أثرها الاقتصادي والاجتماعي، وليس من منطلق حدودها الإدارية فقط.

طريق الرستاق–عبري.. يتعدى فكرة الربط بين ولايتين.

يمثل طريق الرستاق–عبري الامتداد الأهم للرستاق نحو محافظة الظاهرة؛ إذ يمر بوادي بني غافر وعدد من القرى في ولاية عبري، وهذا يمثل نطاقًا جغرافيًّا وسكانيًّا واسعًا تنتشر على امتداده عشرات القرى والتجمعات السكانية.

لهذا لا ينبغي أن تُقرأ ازدواجية الطريق من زاوية الازدحام والحوادث فقط، رغم أن السلامة المرورية سبب كافٍ لرفع كفاءته؛ فالطريق يخدم حركة السكان والمنتجات الزراعية والمركبات التجارية، ويسهّل الوصول إلى المؤسسات الصحية والتعليمية والحكومية، ويربط جنوب الباطنة بمحافظة الظاهرة وما وراءها من منافذ حدودية مع دول الجوار.

والطريق الذي يجمع بين الربط الإقليمي وخدمة القرى والنشاط الاقتصادي لا يمكن أن يُعامل بالطريقة نفسها التي يُعامل بها طريق ذو وظيفة محلية محدودة؛ فالأثر هنا أوسع، والعائد المتوقع من تطويره يمتد إلى أكثر من ولاية وقطاع.

لكن تطوير الطريق يجب ألا ينتهي عند إضافة مسار ثانٍ؛ المطلوب معالجة متكاملة تراعي مجاري الأودية، ومداخل القرى، وطرق الخدمة، وسلامة مستخدمي الطريق، فالغاية ليست فقط اختصار زمن الرحلة بين الرستاق وعبري، وإنما تحويل الطريق إلى أداة لتنمية القرى والمناطق الواقعة على امتداده.

كما ترتبط الرستاق بمحافظة الداخلية عبر وادي بني عوف وبلد سيت وهاط وصولًا إلى ولاية الحمراء، غير أن هذا المسار يؤدي وظيفة مختلفة عن طريق الرستاق–عبري؛ فهو يمثل ممرًّا سياحيًّا وبيئيًّا يمتلك قيمة خاصة.

يمثل هذا المسار رابطًا بين المواقع السياحية في جنوب الباطنة والداخلية ضمن رحلة واحدة؛ تبدأ من قلعة الرستاق وعين الكسفة، ثم تمتد عبر وادي بني عوف وبلد سيت، وصولًا إلى الحمراء وجبل شمس.

وهنا لا تُقاس أهمية الطريق بعدد المركبات التي تعبره، وإنما بما يخلقه من حركة سياحية، وما يضيفه إلى دخل الأسر والمؤسسات الصغيرة، وما يحققه من تكامل بين الوجهات السياحية في المحافظتين، وهذا ما يدعو إلى الاهتمام برصفه.

أما من جهة الشرق، تنفتح الرستاق على سهل الباطنة، ومن خلاله على مدينة خزائن الاقتصادية ومحافظة مسقط، وهذه العلاقة تستحق أن تكون جزءًا من التخطيط الاقتصادي للولاية، أبعد من النظر إليها كواقع جغرافيّ عاديّ.

الرستاق لا تحتاج إلى منافسة خزائن أو تكرار أنشطتها، بل إلى بناء علاقة تكاملية معها؛ فالولاية تمتلك إنتاجًا زراعيًّا وحيوانيًّا، وقاعدة سكانية واسعة، ومؤسسات صغيرة يمكن أن تستفيد من الأنشطة المرتبطة بالنقل والتخزين والتعبئة والتغليف والصيانة والصناعات الغذائية والخدمات المساندة.

والسؤال الذي يجب أن نجيب عنه: لماذا تستحق طرق الرستاق أولوية أعلى؟

عند ترتيب المشروعات الحكومية، تتنافس احتياجات كثيرة على موارد محدودة، ولهذا لا يكفي أن نقول إن الطريق مهم أو إن الأهالي ينتظرونه منذ سنوات، رغم مشروعية هذه المطالب؛ فالأولوية يجب أن تُبنى على حجم الأثر واتساعه.

وطرق الرستاق تجمع عددًا من عناصر الأثر في وقت واحد؛ فهي تربط جنوب الباطنة بالظاهرة والداخلية ومسقط، وتخدم مركز محافظة وعشرات القرى، وتؤثر في قطاعات الزراعة والسياحة والنقل والتجارة والخدمات، وتصل الولاية بمدينة اقتصادية ولوجستية متنامية.

كما أن لكل محور وظيفة مختلفة ومكمّلة للآخر: طريق الرستاق–عبري يؤدي وظيفة سكانية وتجارية، ووادي بني عوف يؤدي وظيفة سياحية وبيئية، والاتجاه نحو الباطنة وخزائن ومسقط يفتح الوصول إلى الأسواق والمراكز الاقتصادية الكبرى.

وهذا ما يترتب عليه النظر إلى طرق الرستاق بوصفها ثلاثة محاور يمكن أن تعيد تشكيل دورها داخل شبكة الاقتصاد الوطني.

لذلك فإن المطلوب هو دراسة هذه المحاور ضمن رؤية واحدة، تحدد وظيفة كل طريق، وعدد المستفيدين منه، وحجم الحركة الحالية والمتوقعة، والقطاعات التي يخدمها، والفرص التي يمكن أن يفتحها أمام الاستثمار والمؤسسات الصغيرة.

إن رفع أولوية طرق الرستاق لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تفضيلًا لولاية على غيرها، بل استثمارًا في شبكة ربط تخدم عدة محافظات ومجتمعات وقطاعات اقتصادية.

فالرستاق ليست في نهاية الطريق، كما قد يبدو أحيانًا، بل تقع في قلب شبكة تصل الظاهرة بالباطنة، والداخلية بمسقط، والقرى بمراكز الخدمات والأسواق.

وحين تُقرأ الخريطة بهذه الصورة، يصبح الاستثمار في طرق الرستاق استثمارًا في الربط الوطني، وفي تنمية المحافظات، وفي كفاءة حركة الناس والمنتجات بين مناطق الإنتاج والأسواق.

وهذا هو الوزن الحقيقي الذي تستحقه هذه المشروعات في مصفوفة الأولويات الوطنية.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights