نظيرة الحارثي… نخلةُ القابل التي أثمرتْ في الثلج
خالصة الصلتي
أيُّ قلبٍ يملك كل هذا الاتساع كي يحمل وطنًا كاملًا إلى أعالي الثلج؟
وأيُّ قدمين تعرفان طريقهما بين شقوق الجليد، فيما تتراجع الأرض بعيدًا ويقترب وجه السماء؟
وأيُّ امرأة تستطيع أن تجعل من فأس التسلّق قلمًا، ومن الجبل صفحةً، ومن آثار حذائها سطورًا تكتب في خاتمتها: مرّت عُمان من هنا؟
إنها نظيرة بنت أحمد الحارثي؛ ابنة الأرض التي علّمت أبناءها أن الجبال ظهورٌ عالية للأوطان، وأن القمم أبوابٌ تفتحها الإرادة، وأن الإنسان يستطيع أن يضيف إلى قامته أمتارًا حين يربط حلمه بحبلٍ قوي، ويشدّ قلبه إلى يقين الوصول.
جاء خبر رحيلها من جبل برود بيك في باكستان، فانحدر الحزن من الأعالي ككتلة ثلجٍ انفصلت عن صدر الجبل، وراح يتدحرج عبر المسافات حتى ارتطم بقلوب العُمانيين. وفي لحظة واحدة، تحولت خرائط العالم إلى طريقٍ واحد يمتد من عُمان إلى باكستان، وتحولت أنظار الناس إلى نقطة بيضاء بعيدة، ترقد عندها حكاية امرأة حملت شمس بلادها إلى موطن الثلوج.
كان الخبر أثقل من الجبل، وأبرد من الريح التي تضرب خيام المتسلّقين، وأشد قسوة من حواف الصخور المختبئة تحت البياض. فالموت حين يجيء من قمة شاهقة يحمل معه رهبة المكان، ويجعل الحزن مرتفعًا بارتفاع الجبل، عميقًا بعمق الهاوية، ممتدًا بامتداد الأفق.
ولعل جبل برود بيك شعر في ذلك اليوم أن عُمان وقفت فوقه بكامل هيبتها؛ جبال الحجر، ورمال الشرقية، ونخيل القابل، وبحر صُور، وحارات الطين التي تحفظ أسماء أهلها في الأبواب والنوافذ. كانت نظيرة تحمل كل هذه الجغرافيا في حقيبتها الصغيرة، وتصعد بها نحو موضعٍ يضيق فيه الهواء وتتسع فيه الروح.
ففي أبناء عُمان شيءٌ من جبالهم؛ عروقٌ من صخر، وملامح صقلتها الرياح، وصبرٌ يعرف كيف ينتظر المطر أعوامًا ثم يزهر دفعةً واحدة. وفي نظيرة اجتمعت تضاريس الوطن؛ أخذت من الحجر صلابته، ومن الصحراء جلدها، ومن البحر جرأته، ومن النخلة قدرتها على الوقوف في وجه المواسم.
كانت نظيرة نخلةً عُمانية غُرست في الثلج.
رفعت رأسها عاليًا، ومدّت سعف حلمها نحو السماء، وحملت في قلبها دفء البلاد إلى أماكن ترتجف فيها الأنفاس. وحين كانت تغرس فأسها في الجليد، بدا المشهد كأن نخلة القابل تمد جذورها في جبال الهيمالايا، وتعلن أن الأرض العُمانية قادرة على الإزهار فوق أشد القمم برودة.
اختارت نظيرة الجبال لأنها قرأت في صمتها المعنى الذي تبحث عنه. فالجبل كتابٌ ضخم؛ صفحاته صخور، وهوامشه هاويات، وعناوينه قمم، وحروفه آثار أقدام المغامرين. وكل متسلّق يقرأ منه فصلًا بعرقه وأنفاسه، ثم يترك توقيعه فوق الثلج قبل أن يبدأ طريق العودة.
أما نظيرة فقد كتبت فصولًا عديدة.
كتبت عن امرأة عُمانية خرجت من دفء البيت إلى قسوة الجليد، وحملت معها حنان الأمكنة وقوة القرار. وكتبت عن الأنثى التي جمعت في حقيبتها قفازات الصعود وذاكرة العطر، وربطت حول خصرها أدوات النجاة، وربطت في قلبها ألوان عُمان. وكتبت عن الشجاعة حين ترتدي عباءة امرأة، وعن الحلم حين يضع خوذة فوق رأسه ويمسك حبلًا بيديه.
وحين ظهرت نظيرة في صورها فوق الجبال، ظهرت المرأة العُمانية بصورة جديدة؛ امرأة تصافح السحاب، وتقيس المسافات بعدد القمم، وتجلس فوق الصخور كما تجلس الملكات فوق عروشهن. كانت ابتسامتها في ذلك البياض رايةً أخرى، وكان حضورها رسالةً تصل إلى كل فتاة ترى حلمها بعيدًا: الطريق يبدأ بخطوة تؤمن بصاحبتها.
كانت نظيرة ترفع العلم العُماني فوق القمم، فيتحول الأحمر إلى جمرة تدفئ الثلج، ويتحول الأبيض إلى امتدادٍ نقيّ للمكان، ويتحول الأخضر إلى وعدٍ بالحياة. وكانت الريح تتولى فرد الراية، كأنها تعرف قيمة الاسم المكتوب في أطرافها، وكأن السماء تمنح عُمان مساحةً إضافية في أعلاها.
كل قمة بلغتها نظيرة أصبحت سفارةً مؤقتة لعُمان.
هناك، بعيدًا عن المباني والحدود والأختام، كانت الراية تقوم بعملها العظيم؛ تعرّف الجبل بوطنٍ جاء أبناؤه من جهة الشمس، وتعرّف المتسلّقين ببلادٍ تصنع الشجعان، وتعرّف العالم بامرأة حملت اسمها العربي إلى فضاء يلامس النجوم.
وكانت خطوات نظيرة فوق الثلج تشبه الكتابة بالحبر الأبيض؛ تختفي مع الريح، ويبقى معناها في ذاكرة المكان. فالأثر الحقي يسكن القلوب، ويكبر كلما أعاد الناس روايته. وها هي سيرتها اليوم تتحول من خبرٍ حزين إلى ذاكرة وطنية، ومن رحلةٍ فردية إلى معنى تتوارثه الأجيال.
لقد فهمت نظيرة سر الجبل: القمة تبدأ من الداخل.
فالإنسان يصعد أولًا فوق خوفه، ثم فوق تعبه، ثم فوق الأصوات التي تضع أمامه حدودًا قصيرة. وحين ينتصر في داخله، تصبح الصخور درجات، وتصبح الرياح اختبارًا، ويصبح البرد رفيقًا قاسيًا يقوده نحو اكتشاف قوته.
كانت نظيرة تصعد جبلين في كل رحلة؛ جبلًا من صخر أمامها، وجبلًا من التحديات داخلها. وحين تبلغ الأعلى، كانت ترفع الراية فوق القمة الأولى، وترفع إرادتها فوق الثانية. ولهذا حملت إنجازاتها معنى يتجاوز رياضة التسلّق؛ لقد كانت درسًا حيًّا في قدرة الإنسان على توسيع حدوده، وفي قدرة المرأة على صناعة موقعها في الأماكن التي تحتاج شجاعةً بحجم الأفق.
في برود بيك، كان الجبل ينتظر فصلها الأخير.
وصلت إليه محمّلة بتاريخٍ من الصعود، وبذاكرةٍ من القمم، وبأصوات من أحبوها، وبأمنيات كانت تتدلى من قلبها كأجراسٍ صغيرة. صعدت نحو البياض، وفي كل متر كانت الأرض تبتعد قليلًا، والسماء تنحني قليلًا، وعُمان ترتفع كثيرًا.
ثم جاء القدر عند تلك الأعالي، فصار الجبل شاهدًا على خاتمةٍ تليق بسيرةٍ امتلأت بالشموخ. أخذت القمة جسد المتسلّقة، وأعادت إلى الوطن اسمًا أكبر، وأثرًا أعمق، وحكايةً ستبقى معلّقة بين الأرض والسماء.
كان في رحيلها مشهد نخلةٍ ارتفعت حتى جاورت السحاب، ثم سلّمت سعفها للريح. وكان فيه مشهد سفينةٍ عُمانية أبحرت إلى أبعد نقطة في الأفق، ثم تركت شراعها علامةً يهتدي بها القادمون. وكان فيه مشهد نجمةٍ اقتربت من الجبل حتى صارت جزءًا من سمائه.
اليوم، يحمل برود بيك شيئًا من عُمان.
يحمل وقع خطوات نظيرة، وحرارة أنفاسها، وملامحها التي واجهت البرد، والدعوات التي خرجت من قلبها، واسم الوطن الذي سافر معها. وكل ريح تمر فوق الجبل ستعبر من جوار حكايتها، وكل شمس تشرق على بياضه ستضيء صفحةً من سيرتها.
وسيصبح اسمها رفيقًا لكل متسلّق عُماني يشد حقيبته استعدادًا لرحلة جديدة. سترافقه في الخطوة الأولى، وفي لحظة التعب، وفي ذلك الصمت المهيب الذي يسبق الوصول. وحين يرفع الراية فوق قمة أخرى، ستقف نظيرة في الذاكرة، كأن يدها تمتد معه لتثبيت الألوان.
وسيحضر اسمها في قلب كل فتاة تحمل حلمًا أكبر من المساحة المتاحة حولها. ستخبرها سيرة نظيرة أن الأحلام تعرف أصحابها، وأن الشجاعة تنمو بالممارسة، وأن الطريق الطويل يصنع أقدامًا قوية، وأن القمم تحتفظ بأسماء الذين وصلوا إليها بقلوب ممتلئة بالمعنى.
لقد خرجت نظيرة إلى الجبال متسلّقة، وعادت إلى الذاكرة رمزًا.
خرجت تحمل راية، ثم صارت هي رايةً للشجاعة.
خرجت تبحث عن قمة، ثم صارت هي قمةً في تاريخ المرأة العُمانية.
خرجت تقيس ارتفاع الجبال، ثم منحت الوطن مقياسًا جديدًا لعلوّ الهمة.
خرجت إلى الثلج بجسد إنسانة، ثم دخلت وجدان عُمان بحجم أسطورة.
وعند ذكرها، ستقف الجبال العُمانية في صمتها القديم، وسيهب هواء القابل محمّلًا برائحة النخيل، وسترفع الفتيات رؤوسهن نحو السماء. فهذه ابنة عُمان التي أخذت من بلادها أول الطريق، ثم كتبت اسمها فوق قمم العالم.
يا نظيرة، أخذتِ معك إلى برود بيك دفءَ البيوت العُمانية، وصوت الأمهات عند الدعاء، ورائحة القهوة، وألوان الراية، وحكايات الطفولة، وملح البحر، وصلابة الحجر. وتركتِ لنا معنى كبيرًا: العمر يُقاس بارتفاع الأثر، والإنسان يبلغ خلوده حين يصبح حلمه طريقًا للآخرين.
ستبقى حقيبتك رمزًا لرحلةٍ تجاوزت المسافات، وستبقى فأسك شاهدًا على يدٍ حفرت اسم عُمان في الجليد، وستبقى ابتسامتك دفئًا عالقًا فوق الثلوج، وستبقى صورتك واقفةً بين الجبل والسماء؛ امرأةً صغيرة أمام اتساع الطبيعة، عظيمةً أمام اتساع المعنى.
رحم الله نظيرة الحارثي،
رحم الله ابنةً حملت وطنها إلى موضعٍ قريب من النجوم، ثم تركت قلبها هناك دليلًا للقادمين.
غادر الجسد دروب الجبل، وبقيت نظيرة أعلى من القمة؛ لأن الجبل يرتفع عن الأرض، بينما يرتفع الأثر في وجدان الأمم.
سلامٌ على نخلة القابل يوم امتدت جذورها في أرض عُمان، ويوم ارتفع سعفها فوق قمم العالم، ويوم أثمرت في الثلج خلودًا وأثرًا وفخرًا.



