الخريف متعة… والسلامة مسؤولية
خليفة بن سليمان المياحي
لقد ترددت كثيرًا قبل كتابة هذا المقال، مخافة أن يفسره البعض على أنه تشاؤم أو استباق لما قد يحمله المستقبل، بينما إيماننا بالله سبحانه وتعالى هو الأساس الذي نعيش به، ونوقن يقينًا راسخًا أن كل شيء بقضائه وقدره، وأن الله تعالى هو المحيي والمميت، وبيده مقادير الأمور جميعًا، وهو على كل شيء قدير.
غير أن الفواجع والأحداث المؤلمة التي نسمع عنها، بل ونشهد بعضها يومًا بعد يوم، تدفع الإنسان إلى الوقوف والتأمل. فما وقع منذ بداية موسم الخريف من حوادث مرورية مؤلمة، ولا تزال مستمرة، ينذر بخطر كبير، ويستوجب من الجميع الوقوف عند أسبابه وآثاره.
فكم من أسرة فقدت عزيزًا وغاليًا، وكم من حادث أودى بحياة الأب أو الأم أو أحد الأبناء، وربما الأسرة بأكملها، فتحولت رحلة استجمام إلى مأساة لا تُنسى.
ولا شك أن الطريق يحمل في طبيعته قدرًا من المخاطر، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: من أين يأتي هذا الخطر؟ وهل الطريق أو المركبة هما السبب؟
إن الحقيقة تؤكد أن المسؤول الأول في كثير من الأحيان هو مستخدم الطريق نفسه. فالقيادة مسؤولية عظيمة، وتتطلب أعلى درجات الحذر والانتباه، إذ قد يكون خطأ بسيط أو لحظة غفلة لا تتجاوز ثوانٍ معدودة سببًا في كارثة تُزهق فيها الأرواح، وتخلّف الحزن والندم.
إن السفر والتنزه والاستمتاع بجمال الطبيعة، ولا سيما في موسم الخريف، أمر محمود، ويسهم في تجديد النشاط وإدخال السرور إلى النفس، لكن لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب أغلى ما نملك، وهي الأرواح. فالسعادة الحقيقية تكتمل عندما يعود المسافر إلى أهله سالمًا كما غادرهم، أما إذا أعقبت الرحلة كارثة أو مصيبة – لا قدر الله – فإنها تتحول إلى ذكرى مؤلمة تبقى آثارها في نفوس الأسر سنوات طويلة.
ومن هنا، فإنني أدعو جميع قائدي المركبات إلى الالتزام بأسباب السلامة، فالمسؤولية الكبرى تقع على عاتق قائد المركبة، فهو المسؤول عن أرواح من يرافقه من أفراد أسرته أو أقاربه أو أصدقائه.
ومن أهم وسائل الوقاية التي ينبغي الحرص عليها:
التأكد من صلاحية المركبة قبل السفر، ولا سيما الإطارات والمكابح وجميع وسائل السلامة.
الالتزام بالسرعات المحددة وعدم تجاوزها تحت أي ظرف.
عدم التجاوز إلا في الأماكن المخصصة لذلك، وبعد التأكد التام من خلو الطريق المقابل، خاصة في الطرق غير المزدوجة.
الامتناع عن استخدام الهاتف المحمول أو أي وسيلة تشغل السائق عن الطريق.
التوقف وأخذ قسط من الراحة عند الشعور بالإرهاق أو النعاس، فسلامة الأرواح أولى من استعجال الوصول.
توخي الحذر عند القيادة في محافظة ظفار خلال موسم الخريف، بسبب ابتلال الطرق واستمرار هطول الرذاذ أو الأمطار، مما يزيد من احتمالية انزلاق المركبة، مع ضرورة القيادة بهدوء وتجنب الكبح المفاجئ.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أشيد بالجهود الكبيرة التي تبذلها الحكومة الرشيدة، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه -، في تطوير شبكة الطرق، وتوفير الخدمات والمرافق التي تعزز السلامة المرورية، إلى جانب الحملات التوعوية المستمرة التي تنفذها الجهات المختصة، والاهتمام الكبير الذي توليه الدولة بالإنسان باعتباره محور التنمية وغايتها.
كما أن سرعة استجابة فرق الإسعاف والشرطة والدفاع المدني في التعامل مع الحوادث تمثل نموذجًا مشرفًا في الحفاظ على الأرواح وتقديم العون للمصابين.
ومع كل هذه الجهود، تبقى مسؤولية المجتمع شريكًا أساسيًا في تحقيق السلامة؛ فالتقيد بقواعد المرور، ونشر ثقافة القيادة الآمنة، والتناصح بين أفراد المجتمع، وغرس قيم المسؤولية في الأبناء، كلها عوامل تسهم في الحد من الحوادث، وتجعل طرقنا أكثر أمنًا وطمأنينة.
وأعلم أن ما ذكرته يدركه الجميع، لكن التذكير واجب، والتناصح من أعظم صور التعاون على البر والتقوى. فالأرواح البشرية غالية، وحياة الإنسان أمانة عظيمة يجب المحافظة عليها بكل الوسائل الممكنة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ الجميع من كل سوء، وأن يقي وطننا الغالي سلطنة عُمان وأهله شر الحوادث، وأن يديم على بلادنا نعمة الأمن والسلامة والاستقرار.



