مقالات صحفية

هناك دُفِنَت طفولتي

ثاني بن مبارك الحبسي

زمنٌ مرَّ كلمحةٍ خاطفة، كنسمة هواء، كحلمٍ عابر، وما زلتُ أتذكر تفاصيل روحٍ كانت تسكن بين تلك الجدران.

كل ثانية من ذلك العمر كانت نبضًا يحكي، وكل ركنٍ في ذلك المنزل كان فصلًا من كتاب. ووهمتُ، بسذاجة الطفولة، التي كنت من خلالها جاهلًا بتفاصيل الغد، أنني سأظل بين تلك الجدران طيلة ما كُتب لي من عمر. لكن الأقدار كانت ترسم نهايةً أخرى في صمت، خلف ستار الأيام، وبين طيات المجهول، وكأنها تسخر من غفلة طفولتي.

هناك عشت الطفولة بكل ما حملته من براءة، وقضيت سنواتٍ كنت أظنها ستبقى خالدة، لكن الزمن كان أسرع من أن تدركه الحواس، وأقسى من أن يتلطف بأحلامي البسيطة العابرة.

أتذكر غرفتي التي كانت تتنفس معي، وتصغي إلى همساتي، ونافذتها المطلة على تلك النخيل، وكأنها لوحة أبدعت فيها فرشاة رسام. وأتذكر مياه ذلك الفلج وهي تنساب في سُلَّمٍ موسيقي تتراقص فيه الألحان، فينساب معها صوتٌ يطرب الأسماع. ولم يخطر ببالي يومًا أن متعة تلك المشاهد ستصبح مجرد ذكرى، وحلمًا يؤرق مشاعري بين حين وآخر، ويكدِّر صفو قلبي كلما استحضرت ماضيها.

وأتذكر ذلك الدهليز، حيث كان أبي وأمي يجلسان وقت الشروق، وهما بكامل صحتهما، يتبادلان الأحاديث مع رشفات القهوة وحبات التمر. كانت تلك اللقطات تملأ عالمي نورًا وسكينة. واليوم، بعد أن تلاشى ذلك المشهد، بتُّ أتوق إلى سماع تلك الرشفات، وإلى تلك الأحاديث، وإلى ذلك الصوت؛ لعله يوقظ بداخلي روحًا أنهكها ألم الفراق وحنين الذكريات. فقد رحل أبي عن الدنيا، وأمي غدت أسيرة الفراش، لا تقوى على المشي أو النهوض إلا بوجود من يعينها؛ فقد أنهكتها صروف الدهر، وعناء السنين، وبلغ العمر منها مبلغه، بعد أن كنت أرى في خطواتها العنفوان، وفي حركاتها الجد والنشاط.

وفي ذلك السطح، عندما كان الليل يسدل ستاره، كنت أقضي وقتي مستلقيًا في حديث مع المساء، وسمرٍ مع النجوم، وكأنني ألامس لمعانها الهادئ المؤنس، فأستشعر دفأها في خلوتي، وأهرب إليها من ضجيج الحياة.

وأتذكر مشهدًا آخر عند الشروق، حين كانت أمي تنظف فناء المنزل بإيقاع هادئ، وكأنها تزيح عنه بقايا الهموم. وعلى خلفية ذلك المشهد، كان صياح الديك يرتفع عاليًا، معلنًا فجر يوم جديد، وكأن الكون كله يستيقظ معنا.

وأتذكر شجرة الرمان التي تعمقت جذورها في وسط فناء المنزل، وامتدت فروعها شامخة في الأفق، وكأنها تراقب تفاصيل حياتنا عن كثب. وما زالت حاسة التذوق تحتفظ بطعم ثمارها، ولم يفارق مذاقها ذاكرتي.

كل شيء في ذلك المنزل ما زالت تفاصيله عالقة بخيوط ذاكرتي، تتشبث بها رافضة الارتحال، وما زالت تلك التفاصيل تغزو أحلامي بين حين وآخر، وكأن الروح ترفض البعد عنه، وتأبى فراقه.

إنه بوحٌ لا تكفيه الكلمات، ولا تفيه السطور حقه، وتعجز التعابير عن احتواء تفاصيل ذكرى منزلنا القديم. فهناك عشت الحياة بكل ما فيها من براءة، ومرح، وسعادة… وهناك دُفِنَت طفولتي.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights