الثلاثاء: 05 مايو 2026م - العدد رقم 2906
الخواطر

حين يصبح الحرف ذاكرة: لماذا لا تغادرنا بعض المشاعر؟

نبراس الوعد آل عبدالسلام

في زمنٍ أصبحت فيه العلاقات سريعةً وعابرة، وتُختصر فيه المشاعر في إشعاراتٍ ورسائل قصيرة ومتابعاتٍ واهية، يبدو غريبًا كيف يمكن لشيءٍ بسيط كحرف أن يتحوّل إلى جسرٍ بين عالمين؛ عالمٍ نعيشه بكل واقعيته، وآخر نحمله في داخلنا بصمتٍ ثقيل.

فالحروف لم تعد مجرّد رموزٍ لغوية، بل أصبحت تحمل دلالاتٍ أعمق مما نظن. قد يرتبط حرفٌ واحد بشخص، بذكرى، أو بلحظة تركت أثرًا لا يُمحى كما تمحو الممحاة الأخطاء عن الأوراق. وهنا، لا يعود الحرف مجرّد جزءٍ من اسم، بل يتحوّل إلى إحساسٍ متكرّر يصعب المضي قدمًا، يظهر في أوقاتٍ غير متوقعة، وكأنه يذكّرنا بما حاولنا تجاوزه اعتقادًا منّا أن النسيان أخفّ وطأةً.

كثيرًا ما نظن أن بعض المشاعر انتهت، أو أن بعض الأشخاص أصبحوا جزءًا من الماضي، لكن الواقع يثبت عكس ذلك. فالأثر الحقيقي لا يختفي بسهولة، بل يعيد تشكيل نفسه في تفاصيل صغيرة: كلمة، موقف عابر، صدفة، أو حتى حلم من محض الخيال. وكأن هناك روابط خفية بين الأرواح، لا تقطعها المسافات ولا يُنهيها النسيان.

وربما لهذا السبب، نجد أنفسنا أحيانًا نتوقف عند أشياء تبدو عادية للآخرين، لكنها بالنسبة لنا تحمل قصة كاملة، قصة قد لا تُروى، لكنها تُحسّ بكل وضوح. حين يتجرّد الإنسان من أوهامه، فتفضحه عيناه ولغة جسده، تتحرّر الأثقال التي ترهق كاهليه، كما يُنقّى الماء من شوائبه العالقة حتى يغدو صافيًا نقيًا تمامًا.

أحيانًا لا يكون الحنين إلى الأشخاص بقدر ما هو حنين إلى النسخة التي كنّا عليها في حضورهم.

ليست كل المشاعر بحاجة إلى تفسير وتدقيق، ولا كل الذكريات تحتاج إلى إغلاق. فبعضها يبقى معنا، لا لنعيد عيشه، بل ليذكّرنا أننا شعرنا يومًا بصدق. وربما يظل حرفٌ واحد كافيًا ليحمل كل ذلك: بداية حنين، أو نهاية لم تُكتب بعد.

في النهاية، تذكّر أن تتعايش لا أن تتناسى، تتقبّل فترضى، ثم تستمر الحياة كعادتها؛ مع بزوغ الشمس وانجلاء ظلمة الليل، تولد من جديد لتواجه الحياة بطاقةٍ منبثقة تأبى الاستسلام.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights