أشباه المشاعر عبر أسلاك نحاسية

عبدالله بن نصر الله الرقيشي
خلال مشوارٍ طويل مع رفقاء درب على مركبةٍ ذكية حديثة فاخرة، أُثير السؤال التالي: ما مدى تسارع ونمو الذكاء الذي يتوقّعه البشر من الذكاء الاصطناعي على صعيد الإحساس بالمشاعر والعواطف مقارنةً بالإنسان؟
كانت إجابتي قصيرة، حاسمة وحازمة: ليس هناك مقارنة بين خلقٍ ربّانيّ نورانيّ، وبين نتاجٍ بشريّ قاصرٍ على صعيد شتّى الأوجه، على الرغم من تمتّعه بسرعة الإنجاز.
أكتب مدفوعًا بالندم لعدم تقديم توضيحٍ كافٍ خلال المشوار لزملاء السفر، في خلافٍ لا يفسد للودّ قضية، لكنه يلفت النظر إلى أهميته الجوهرية. وبعد أشهرٍ من التساؤلات: ما هو الجهاز غير الذكي في منظومة الإنسان، وفي جوارحه، وعلى مستوى المشاعر والعاطفة الوجدانية، والفراسة، والكياسة، والبصيرة، واللّبّ، والنُّهى؟
ثم تذكّرت، عندما أتخاطب مع الذكاء الاصطناعي، وبعد دوراتٍ مكثفة في هندسة الأوامر لتجنّب فرط الاستخدام والاعتماد الرقمي، ومحاولاتٍ لتجنّب المفارقة والمعضلة التي فجّرت السؤال: هل أتت الآلة لتقوّض ما تبقّى من مشاعر الإنسانية؟ هل أصبحت معظم العواطف تختفي خلف الشاشة، أم أصبحت الشاشة أقنعةً نلبسها وتلبسنا؟
العواطف التي كنّا نرتديها وتسكن وجداننا انحسرت، بل تكاد تتلاشى. والمفارقة المؤلمة أنها تتلاشى ونحن نعيش في عصر سهولة التواصل، سواء في المنزل، أو في المكتب، أو في المقهى، أو في المركبة العصرية الفاخرة. يا له من انحسارٍ لعاطفة الإنسان حينما يفرط في الاستخدام والاعتماد على ذكاء الآلة.
المؤلم أنها ترد عليك أحيانًا: أنا أتفهم شعورك تمامًا. ماذا تتفهم؟ ماذا تشعر؟ البصر، والنطق، والتذوق، والتلذذ بكل أنواع المتعة، والشعور بالألم… باختصارٍ شديد، لا يوجد هنا أي حوارٍ منسجم، وكل الحديث بعيد عن الاتفاق: أنا أتفهم شعورك، أنا قابل للتعلّم، أنا هنا لكي أساعدك.
هل كانت فرقة 47 soul محقّة في أغنيتها الساخرة بلهجة أهلنا الأردنية عندما قالت:
أنا حبيت القمر، طلع القمر اصطناعي
أنا حبيت الورد، طلع الورد بلاستيكي
يقطع هالعمر، ما أسهل فيه خداعي
لحفر لي قبر، وأدفن فيه أوجاعي
السؤال يجلد ذهني ويطرق مخيلتي بعنف: هل فعلًا سوف يلوذ الإنسان ويستنجد بالآلة ليجد التفهّم في أشباه الموصلات عبر أسلاكٍ من نحاس للوصول إلى المشاعر؟
هل تبدو الأغنية الشبابية أكثر قدرة على التعبير عن الواقع الرقمي المعاصر، عندما يصبح القمر الذي نحبه اصطناعيًا، والورد يدوم ويدوم ويدوم… ولكنه بلا حياة، بلا عبيرٍ فواح؟ وماذا عن دفن الأوجاع؟
هل نستبدل ما هو خيرٌ بالذي هو أدنى، عندما نفرط في الاعتماد على أشباه الموصلات وننبذ أصل الموصلات: القلب، والفؤاد، والفطرة، واللّبّ، والنُّهى، والوجدان؟ أم نخلط الملح الأجاج بالعذب الفرات؟
وكم هي عذبةٌ حينما تنبع العواطف من أصل الإنسان، لأن الجوهر والقيمة توأمان… لا ينفصلان.


