وحدة مفرطة
خولة بنت محمد السعدية
السيد الموقَّر
قد وعدتني أنْ لن أُعدم حنانا بعد ذاك المساء اللا متوقع
بدأتَ بتلوين الأفق أمامي،
وانهمكتَ لتذليل المشاق بدربي
وأوجدتَ جوابا لبعضِ ما يحيرني. وكنتَ أملا لخيباتي، ونصرا لانهزاماتي .
وصلني شعورٌ أن شبح الحياة الشاحب بدأ أخيرا بالتلاشي أمامي حقا ،
أرى كل حرف تنطقهُ يُحال إلى لبنةٍ قويةٍ في قلعة حلمي، فتصبحُ قلعتي _بخيالي _ أرحب من واقع ضيق وأعلى من صوتٍ محبط!
بدأ ذاك المساء دافئا مختلفا عن مساءاتي الوحيدة المعتادة
سيدي الموقر أتذْكُر؟
كنتَ حديثا عذبًا يحوي تلقيناً عن القادم المشرق،
كررتَ كثيرا أنني أنا بطلة القادم! وأردفتَ:أن اليأس لا يليق بي، نظرتُ إليك بعجبٍ وأنا أتساءل:
هل كنتُ أراكَ الآن لو يأستُ؟
_ يا سيد _ لو أعيشُ يأسا لرأيتني أعيشهُ بإخلاص
لن تراني حينها
لأني سأكون غارقة في ضيقِ غرفةٍ مظلمة ،رأسي على ركبتي، ويداي تطوقاني كَسُورٍ حصينٍ أُحيطُ بهما جسداً أخشى عليه من ضراوة عالم قاسٍ مجحف.
وجودي الآن بين هذا الأفقِ الشاسع، تتخلل سكتاتِ حوارنا أصواتُ موجٍ ساحر ، ونسيمٌ بحريٌ لطيفٍ.
يُعجبني كثيرا أن أُطيل الحديث عن لُجَّة البحرِ،
كيف لشئٍ بكل بهذا الصخب أن يغمرني بالاسترخاء، ويحرضني على الكتابة رغم صراخ النوارس وهيجان الموج ،التي تتحول -على حين بغتةٍ – لصرخاتٍ تترى تشقُّ الهدوء ذاك.
برودة الموج ،وهو يغمرُ قدما تكادُ تشَّقق من وعورةِ طريقها نحو حلمٍ بعيدٍ.
رائحةُ الشاطئ تخبرني أني وصلتُ لملاذي ،أبدأُ شهيقا يطول ، و أود لو أخبئ من نسماته في حقيبتي،
حقيبتي التي تشتكي من ثقلها ،
وأنا أشتكيها لثقلها على ظهري
وأتبادل معها جدالا وسجالا
لا يصل لشئٍ سوى أنني أضع فيها مزيدا من ثِقل همومٍ جديدة، ودموع عصيَّة عنيدة!
رطوبة الجو تروي ظمأً طال
لطافة الرمال تحت قدمي
أفقٌ رحيب
خفة الطحالب المدهامة وهي تنساب مع الماء
جمالٌ وصفاء أجده أجدر ما أبدأ به يومي.
كل هذا يا سيدي لا ينمُّ عن يأسٍ قط ،وإن نمَّ فأنا لا أخجل من اليأس
هو صديقي
الذي أعود إليهِ
وأجتمع به بعد كل زجرٍ لكفاحي؛أكافح لأرى صباحا يشبهني.
أجتمعُ باليأسِ بشكلٍ دوريّ!
أعيشُ لأيامٍ بل لشهورٍ في عزلةٍ عن أفواهٍ جائرة، وفي زاويةٍ صغيرة أضمُّ الكونَ في صفحةِ دفترٍ أرى فيه صياغةٍ كاملةٍ لمعنى وجودي هنا في زوايا هذه الأرض.
أعود للسيد أمامي
حين أسمعه يحوم فكري حول كلماته؛ لأضمنها في سطور دفتري لعلني أجدُ عزاءاتي فيه، حين تضيق بي مجرة بأكملها!
ماذا جرى سيدي حتى بدأت ملامحك تتمزق أمامي ،ولا أملك حيلةً لجبرها حتى تعود وتلتئم لتشكل أذنا تصغي !
تنكسرُ صورتكَ ، وأعجزُ عن إعادةِ تشكيلكَ ولو ظلا يحدثني برأفةٍ في وحشية هذه الأيام .تغيبُ طويلا ولا أملك حقا في عتابك ،وتضيع بي الطرق لوصالك.
تذوي كل المحاولات العبثية
لرسم وجودٍ يسمعني ،أراني خضم فراغٍ يصمتُ فيه كلَ شيء، إلا رأسي يظلُ يهذي بحلمٍ يكاد يكون وهما!
رأس معلق على روحٍ تائهةٍ في الوحدةِ المفرطة!



